ثقافة وفنون

نظام الخلافة الراشدة السياسي : نشأته وتطوره وسقوطه

إعداد: دليلة قدور

الجزء الثامن-

 مهداة لروح الوالدة الحاجة مسعودة رحمها الله

موسى معيرش

جامعة عباس لغرور خنشلة الجزائر

أما أكثر من عارض الخليفة، وأعلن ذلك مرار فهي فاطمة الزهراء ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنها دخلت في صراع معلن معه وحتى مع أعوانه، رغم محاولات عديدة لاسترضائها إلا أنها رفضت سلطته ، وهددته بشكواه للنبي قائلة: « فأني اشهد الله أنكما اسخطتماني وما رضيتماني ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وسلم لأشكونكما إليه

وقد ماتت دون أن تبايع، ومع هذا الخلاف الشديد بين المسلمين، فإن أحد منهم لم يعتبر تولى الصديق السلطة مسألة دينية، بقدر ما اعتبرت مسألة سياسية، وهذا ما تكشف عنه الحجج التي قدمها خصوم أبي بكر وأنصاره، فأحقية هذا الرجل أو غيره بالخلافة مرتبطة بعلاقته برسول الله، سواء نتيجة لأسبقية الدخول في الإسلام كما هو شأن أبي بكر أو نتيجة لصلة القرابة كما هو شأن علي بن أبي طالب، ولا شأن لها بغير ذلك من شؤون الدين، وإن كانت في خدمته.

ما يمكنا استخلاصه بعد كل ما قلناه، أن وجود معارضة سياسية في البدايات الأولى لنشأة سلطة الخلافة، يفسر الكثير من الأمور، ويكشف أن هؤلاء الرجال، وبسبب قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، أدركوا أن المسألة سياسية بحتة، وتوليها يندرج في هذا السياق، وأنه لا بأس بمعارضة الخليفة وعدم الاعتراف بسلطته، بل وأن هذه المعارضة لا تنقص من الدين في شيء، ففاطمة الزهراء شخصيا رفضت بيعة الصديق، واستنكرتها، ولم تتقبلها، ومع هذا لم نجد الذين استنكروا موقفها، من قام بكفرها، أو حتى تجرأ على تكفيرها.

المبحث الثاني: العهد الراشدي، من التأسيس إلى التمكين.

العائد لأهم كتابات السياسة الشرعية أو الفلسفة السياسية في الاسلام وحتى كتابات المنظرين السياسيين، إلا ويجدهم يتخذون من العهد الراشدي، الأنموذج المتفرد الأوحد للدولة في الاسلام، دون غيره من النماذج، معتبرين أن كل ما عداه ، يمثل انحرافا خطيرا عنه ، حتى صار ماهو راشدي يساوي ما هو إسلامي، وما هو غير راشدي هو  يساوي جاهلي، لا يعبر عن الاسلام، ولو كان يستمد أغلب تشريعاته منه.

فما الذي يجعل هذا العهد يحتل هذه المكانة الكبرى في عقول المسلمين قديما وحديثا؟ هل يعود ذلك لكونه يشكل امتدادا لفترة حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلاقة مؤسسيه به، فضلا عن دورهم الحاسم في التمكين للإسلام؟ وهل فعلا شكّل هذا النموذج النظام السياسي المثالي؟ وإذا كان كذلك لما سقط بسرعة و لم يتمكن المسلمون من استعادته رغم مرور مدة زمنية طويلة قاربت خمسة عشر قرنا كاملة؟

كل هذه الأسئلة تراودنا ونحن بصدد العودة لمناقشة ظروف تشكله، والوظائف التي أداها، في الفترة الحاسمة التي أوجدته، مما يتطلب منا شجاعة فائقة، في التعامل معه، لما ذكرناه من مبررات.

المطلب الأول: ظروف تشكل النظام الراشدي.

  العودة للمصادر التاريخية تكشف لنا عن ظروف بالغة التعقيد، أعقبت وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد تكالبت القوى المحيطة بالمسلمين واشتدت قوتها، وفي الوقت نفسه، برزت منافسة علنية وقوية على تولى السلطة بين كبار الصحابة أنفسهم، لم تكن لتبرز في حياته، بسبب شخصيته الكاريزمية القوية، التي كانت تقضي على مختلف الخلافات بينهم قبل استفحالها، وهي في المهد تماشيا مع قوله تعالى وتنفيذا له: » يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً » وهذا ما جعلهم ينقسمون لثلاث تيارات متنافسة متصارعة، نجملهما فيما يأتي:

– فريق يمثله الأنصار، وكان يعتبر نفسه مؤهلا للخلافة وأحق بها بسبب كون عاصمة الدولة في إقليمه، واحتضانه ونصرته للإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم عندما كان مطاردا في مكة وعلى هذا رأس هذا الفريق سعد بن عبادة.

– فريق يمثله آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، يرى نفسه هو الأخر الأحق بالخلافة لقرابته العائلية من صاحب الرسالة، ويمثله زوج أبنته السيدة فاطمة وابن عمه على بن أبي طالب علاوة على عمه العباس بن عبد المطلب، وغيرهم.

– فريق يمثله البعض من كبار الصحابة ذوي الأصول القرشية، يرون أنفسهم أولى بالسلطة بسبب علاقة المصاهرة التي ربطتهم بصاحب الرسالة، وعلى رأسهم صديقه وأب زوجته عائشة أبي بكر الصديق، وصاحبه وأب زوجته حفصة عمر بن الخطاب، علاوة على زوج ابنتيه: رقية و أم كلثوم ، عثمان بن عفان. وقد حسم هذا الفريق الأمر لصالحه بسرعة وعمل على التمكين لسلطته عن طريق البيعة لأبي بكر في سقيفة بن ساعدة .

ولعل من الأسباب العملية التي أدت إلى نجاح هذا الفريق، ما لخصه محمد عبد الحي محمد شعبان، في قوله: » وأخيرا برز أبو بكر مرشحا مقبولا بصورة عامة، لقد كان هذا الاختيار هو الأمثل لعدة أسباب. فقد كان قرشيا لكن البطن الذي ينتمي إليه في قريش غير بارز، والمهم من كل شيء آخر، هو أنه كان أقرب الصحابة للرسول وأدرى الناس جميعا بنمط تفكيره، يضاف إلى ذلك أنه كان نسابة خبيرا ، وهي معرفة ستكون مفيدة سياسيا في فترة الردة حين كانت الصلات القبلية المتشابكة أمرا حيويا…إلى جانب ذلك، لينا وصادقا في طريقته »زيادة على ما سبق فإن خبرة الرجل وتجربته الكبيرة، كانت عاملا حاسما في اختياره، خاصة إذا علمنا أن عليا كان في سن الثلاثين فقط، وعمه العباس حديث بالإسلام.

المطلب الثاني: البيعة مفهومها وطرقها.

تعد طريقة اختيار الحاكم من المسائل الهامة في الفكر السياسي بعامة، دون أن يكون الفكر السياسي الإسلامي منه بخاصة استثناءا، فقد تنوعت هذه الطرق وتباينت، نذكر منها:

التغلب.

الوراثة.

البيعة.

ولما كانت الخلافة الراشدة في بدايتها نتيجة لبيعة كان منطلقها في سقيفة بني ساعدة كما تقول كتب التاريخ والسياسة الشرعية، فماذا نقصد بها وما الكيفية التي تتم بها؟ وهل هي نظام إسلامي مبتكر أم هي شكل من أشكال انتقال السلطة عرفه القدماء؟

أولا: مفهوم البيعة.

يعرف ابن منظور في معجمه البيعة بقوله: » والبيعة: الصفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة. وقد تبايعوا على الأمر: كقولك أصفقوا عليه، وبايعه عليه مبايعة: عاهده، وبايعته من البيع والبيعة جميعا، والتبايع مثله. وفي الحديث أنه قال: ألا تبايعوني على الإسلام؟ هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة كأن كل واحد باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره »

وقد تعددت المفاهيم الاصطلاحية التي قدمت لهذا المصطلح، فقال ابن خلدون:  » البيعة هي العهد على الطاعة » وهي عبارة عن: » عقد وصفقة، طرفاه الإمام والناس، ويمثل الناس في هذا العقد أهل الحل والعقد فيهم، ومضمون هذا العقد، أن يتولى الإمام أو رئيس الدولة تطبيق الشريعة بين الناس، وسياستهم على وفق أوامر هذه الشريعة، هذا هو الواجب على الطرف الأول، أما الواجب على الطرف الثاني، فهو السمع والطاعة للإمام في كل معروف يأمرهم به ، وعدم السمع والطاعة إذا أمرهم بمنكر، وفاء لما تم الاتفاق عليه ».

البيعة بهذا الشكل، نوع من أنواع التعاقد الاجتماعي، التي تحدث عنها فلاسفة العقد الاجتماعي في أوربا في العصر الحديث، أمثال: جان جاك روسو وتوماس هوبز، ذلك أن الدولة ذات طبيعة اجتماعية مدنية وليست إلهية، وبغض النظر عن مضمون العقد في الفكر السياسي الغربي والفكر السياسي الإسلامي، إلا إن المتفق عليه أن الغاية واحدة وهي حماية الناس وتنظيم علاقاتهم وحمايتهم، أما فيما يتعلق بمدى مشروعية هذا العقد، فيعود دون شك إلى رضى المتعاقدين، ومدى التزام كل طرف بواجباته.

أما الفارق بين الرؤيتين، فتتمثل في البرنامج السياسي الذي يتم حوله العقد، ففي الوقت الذي نجد البيعة تتم لإقامة نظام الشريعة، والخروج عن هذا البرنامج يؤدي ضرورة إلى إلغائه، إلا أن الفكر السياسي الغربي يعتبر أن تنازل الرعية عن حقها دائم دوام حياة الحاكم بغض النظر ما سيفعله .  غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يمتثل في الطريقة التي تتم بها البيعة، ومن ثم البحث في حقيقة الأشخاص الذين يمارسونها، وهو ما نتحدث عنه في العنصر الأتي.

يتبع…

Leave a Reply