ثقافة وفنون

نظام الخلافة الراشدة السياسي : نشأته وتطوره وسقوطه

إعداد: دليلة قدور
– الجزء السابع-
مهداة لروح الوالدة الحاجة مسعودة رحمها الله
موسى معيرش
جامعة عباس لغرور خنشلة الجزائر

ثانيا: موقف الصحابة من فكرة الخلافة
أثارت عملية انتقال السلطة بين المسلمين كثير من الجدل واللغط، فرغم أن العملية تمت بسرعة وبطريقة مفاجئة ونتيجة لعملية توافق ناجحة، غير أن أثارها ونتائجها ظلت تشغل الناس فترة لا بأس بها من خلافة أبي بكر الصديق، ولا شك أن الوقوف على الموقف من النظام الجديد، يتطلب ضبط الخريطة السياسية الناشئة، بعيدا عن عقلية التقديس أو نظرة التدنيس، فكلاهما يفتقر للرؤية الصحيحة، وعليه فلا من فهم وتحليل ومناقشة ما حدث ونتجاوز الوصف ونبتعد عن العاطفة.
فالحاجة لمعرفة هذه الخريطة وقرأتها قراءة صحيحة، تفتح أمامنا إمكانية فهم الأمور كما حدثت، واستخلاص تصور واضح وقريب مما حدث بالفعل، وهذا ما يسعى إليه علم السياسة وفلسفتها.
ومن دون تردد يمكننا القول، أن الكتابات التي عالجت هذا الموضوع عديدة ومتنوعة، مختلفة المشارب والأهداف، بعضها ينطلق من حكم مسبق يسعي للبرهنة عليه وإثباته، ودحض معارضيه، وبعضها كتبت بمنهج يبتعد عن منهج كتابة التاريخ، وكان يتعامل مع الحادثة التاريخية كحادثة مقدسة لا يجوز نقدها، دون أن نهمل تلك الدراسات التي كانت تهدف للبحث عن الثغرات والتركيز عليها، واعتبارها المعبر الحقيقي عن المسلمين بهدف الطعن في هذه النظام وتسفيهه.
فكتب أهل السنة والجماعة، عادة ما تعمل على الدفاع عن هذه المرحلة التاريخية، وتسعى جاهدة لإبراز محاسنها والدعاية لها، وكتابات الشيعة تجتهد في إبراز مساويها، وتقدمها على أنها مصدر الظلم الذي تعرض له آل البيت، أما كتابات المستشرقين فأغلبها ينحى نحو غريب الأخبار لتركز عنها لنسف كل ما هو جميل في هذا النظام. ومع إدراكنا لكل ذلك، فإننا لن نهمل كل هاته الكتابات، ونحن بصدد الحديث عن موضوعنا، ففي ثنايا هذه التناقضات قد تكمن الحقائق الغائبة، وانطلاقا من هذه الرؤية يمكننا أن نرسم صورة للخريطة السياسية التي سادت هذه المرحلة.
حيث نقف في هذه الخريطة على تناقضات رهيبة، تجعلنا نراجع كثير من المسلمات، لعلى أهمها أن الأصل في النظام السياسي يكمن هنا وليس في غيره، فرغم أن السلطة انتقلت من الرسول إلى صاحبه الصديق، إلا أن نشأة الأحزاب السياسية أو بالأحرى انقسام المسلمين إلى مولاة ومعارضة، كان في هذا الزمن المبكر حيث يمكننا أن نلاحظ على هذه الخريطة ما يأتي:
1: أنصار أبي بكر
تعبر الطريقة التي تولى بها أبي بكر الصديق عن رؤية جماعة كبيرة من المسلمين، وهي في نظر مهندسيها حلا رائعا للمشكلات التي عاشها هؤلاء في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، التي تمتاز بالصعوبة والتعقيد، وفي الوقت نفسه تتوافق مع روح الدين الإسلامي:
-فا الخليفة المنتخب، له تاريخ حافل في خدمة الاسلام، و فضلا عن ذلك ،فقد كان من أوائل الصحابة المؤمنين بنبوة صاحبه ، وأكثرهم تصديقا له، كما أن علاقته بالرسول كانت علاقة قوية، فهو صديقه، ورفيق هجرته، ووالد أحب زوجاته إليه السيدة عائشة. حتى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : »ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ».
-أن الخليفة استطاع بكريزماته وقربه من الأنصار أن يقنعهم برد الأمر للمهاجرين بعدما اجتماعهم لتعين خليفة منهم، بل أنه، أقنع حتى مرشحهم سعد بن عبادة -سيد الخزرج- وجعله في الأخير يسلم بوجهة نظر الصديق، قائلا: « صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء »
– واصل الخليفة منهج رسول الله، فأنفذ جيش أسامة لقتال المرتدين، وينقل ابن الجوزي في هذا السياق، أنه بعد أن تولى السلطة مباشرة أمر جند أسامة بالالتحاق بمعسكرهم بالجرف، وقال للناس: » يأيها الناس، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله يطيق صلى الله عليه وسلم، عن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات ».
و يمكننا التأكيد هنا على بأن أتباع هذا الفريق، مثلوا الغالبية العظمى من المسلمين، فقد كان منهم قادتهم وأغلب الفاعلين السياسيين والدينين والعسكريين، سواء من الأنصار أو المهاجرين، كما أن سكان الأمصار تقبلوا خلافة الصديق تقبلا حسنا، مما يجعلنا نستنتج أن الجماعة التي شاركت في اجتماع السقيفة تمكنت من حسم معركة السلطة لصالحها مؤقتا.
ويظهر أن ردة فعل العديد من القبائل العربية، ورفضها تقديم الزكاة للسلطة الجديدة، ساهم بشكل كبير في ميل الكفة لأنصار السلطة الجديدة، خاصة بعد الموقف الحازم الذي اتخذه زعيمها، عندما رفض التفريق بين الصلاة والزكاة، وهذا ما عبر عنه بقوله: « والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ».
من وجهة نظر الباحث المتابع والمحايد ، فإن هذا الصديق يعبر عن لاستمرارية بمواصلته منهج سابقه، فقد أثبت الرجل بهذا الموقف أنه أحرص الجماعة على مواصلة نهج النبوة، خاصة بعدما أظهر بعض كبار الصحابة رغبة في التسامح مع رافضي إعطاء الزكاة لبيت مال المسلمين، كما هو شأن عمر بن الخطاب، بعد أن ارتدت قبائل عديدة عن الاسلام، وأعلنت الحرب على المسلمين.
2: خصوم أبي بكر.
غير أن جماعة من المسلمين امتنعت على التسليم بسلطة أبي بكر، ولم يكن هؤلاء الرافضون من عامة الناس فحسب بل من خاصتهم أيضا، بل وفيهم من أسرة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، حيث رفضت فاطمة الزهراء هذه البيعة رفضا مطلقا، وتبعها زوجها على بن أبي طالب وغيرهما، وفي هذا الإطار تجمع مختلف المصادر التاريخية، أن التسليم بسلطة أبي بكر كاملة لم تتم إلا بعد وفاة فاطمة الزهراء أي بعد ستة أشهر كاملة من توليته السلطة، حيث بادر على بن أبي طالب لمبايعة أبي بكر، مع أنه لم يكن راضيا تمام الرضى عن توليه للسلطة رغبة منه في جمع كلمة المسلمين وقطعا لدابر من كان يسعى للفرقة.
يشير ابن الأثير لوجود عدة أسماء رفضت تولى أبي بكر الصديق السلطة، فضلا عمن ذكرنا، منها أبي سفيان بن حرب، الذي حاول أن إشعال تمرد عسكري حينما اتجه نحو على بن أبي طالب قائلا: » إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم آل عبد مناف: فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟ علي والعباس؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ ثم قال لعلي: أبسط يدك أبايعك، فوالله لئن شئت لأملانها عليه خيلا ورجلا ».
وقد تنبه علي بن أبي طالب لمخاطر هذه الدعوة وخلفياتها، ورد على صاحبها بقوله: »والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك ».
وقد تطور موقف الرافضين لولاية الصديق من موقف سياسي لموقف ديني، ففي البداية كان الأمر مقتصرا على من هو أحق بالخلافة، بسبب قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد أن احتج البعض بأن الأحقية لقريش لقربها منه ، فأحتج بنو هاشم على قريش بأنهم أكثر قربا منهم، وهذا ما عبر عليه علي بن أبي طالب في حجاجه لأبي بكر الصديق ، قائلا: « أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وانتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتجتم عليهم بالقرابة من النبي وتأخذوه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الإمارة قد احتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ونحن أولى برسول الله حيا وميتا فانصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤا بالظلم وانتم تعلمون ».
مع أن الرجل بايع أبا بكر كما أسلفنا من قبل، إلا أن فكرة أحقيته بالخلافة ظلت تراوده، وعبر عنها في خطبته الشهيرة المعروفة بالشقشقية، حينما قال: « أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتني بين أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عميا، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن، حتى يلقى فيها ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا ».
يتبع…

Leave a Reply