ثقافة وفنون

نظام الخلافة الراشدة السياسي : نشأته وتطوره وسقوطه

إعداد: دليلة قدور

-الجزء السادس-

مهداة لروح الوالدة الحاجة مسعودة رحمها الله

موسى معيرش

جامعة عباس لغرور خنشلة الجزائر

و في كل الحالات فما نجده في هذا الشأن عبارة عن إشارات لا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، فهي تعبير عن لحظة تاريخية وحادثة محددة، لا يمكن بناء أحكام دائمة بهذه الخطورة عليها، كما أن المجتمعات تتطور، وتتطور مشكلاتها، ولا يمكن أن يولد نظاما سياسيا كاملا، فهو يتطور بإصلاح مشكلاته، وليس بشيء أخر، ولا يمكن أن تكون معايير اختيار الصديق صالحة لكل العصور.

2: صدمة الوفاة

يذكر ابن كثير، أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع ستار بيته فوجد الصديق يصلي بالناس فتبسم رضى بما شاهده من صنيع صاحبه، مطمئنا على الاسلام والمسلمين، وعندما شاهده هؤلاء اعتقدوا أنه تعافى، حتى أن الصديق قال لابنته عائشة: » ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا قد أقلع عنه الوجع وهذا يوم بنت خارجة، يعني: إحدى زوجتيه، وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة، فركب على فرس له وذهب إلى منزله وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، وقيل: عند زوال الشمس ».

وقد أثارت هذه الوفاة غير المتوقعة لغطا كبيرا وجدلا عميقا بين المسلمين، حتى أنهم انقسموا بين قائل بالوفاة، وقائل بالرجعة، حيث وجدنا عمر بن الخطاب يرفض فكرة موته تماما، بل ويهدد من يقول بها، مدعيا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى ربه كما فعل ذلك من قبل موسى بن عمران، وسيعود كما عاد هذا الأخير، حتى أنه توعد القائلين بالوفاة بالقتل وأتهمهم بالنفاق وزرع البلبلة، مع أن الرجل كان قد استشعر هذه الوفاة في حجة الوداع كما ذكرنا ذلك من قبل.

ويضيف الطبري، في كتابه تاريخ الأمم والملوك، أنه لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم خطب ابن الخطاب مهددا: » إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفى وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل لقد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات ».

وقد نقل البخاري، واصفا هذا الموقف كما ما روته عائشة حينما قالت: » فقام عمر يقول:  » والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم …والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهن ».

ويبدوا أن هول الوفاة وخطورتها وتأثيراتها الكبيرة،  كانت وراء  الموقف الغريب الذي اتخذه الرجل، وقد بقى راسخا في عقول المسلمين فترة طويلة، متعجبين من صاحبه، مما جعله يبرره عندما تولى الخلافة لابن عباس، بقوله: « والله إن ما حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية : » وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ « ، فو الله كنت لآضن أن رسول الله سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذي حملني على لأن قلت ما قلت » .

وعلى عكس هذا الموقف نجد أبا بكر الصديق أكثر واقعية وتقبلا وثباتا أمام هذه المصيبة وضبطا للنفس، فعندما بلغه خبر الوفاة، جاء مسرعا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وألقى عليه نظرة وقبله، وقال: « بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج ».

وبدأ في مخاطبة الناس – بعد أن طلب من عمر السكوت والإنصات- قائلا : » أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت »،وأضاف مستدلا بقوله تعالى: » وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ »، وهنا استفاق الناس من صدمتهم وتأكدوا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بما فيهم عمر بن الخطاب، الذي تأكد أنه كان مخطئا، وأن من قال بالوفاة ليس منافقا، وإن  الموت نهاية كل مخلوق، بما فيهم الرسول نفسه.

ما نستطيع قوله، أن المكانة الكبيرة التي كان يحتلها النبي بين قومه، جعلت الكثير منهم يضعه فوق مستوى البشر، رغم أن القرآن نفسه تكرارا ومرارا، أكد على طابعه البشري، وأنه رغم مكانته عند ربه وبين المؤمنين به وأصحابه يبقى إنسانا يصبه ما يصيب غيره، وهذا ما يفسر الصدمة والاضطراب عقيب الوفاة.

3-2 مشروعية السقيفة:

يصف ابن هشام، وضع المسلمين وحالهم، لحظة وفاة النبي بقوله:  » ولما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكرن وأنحاز معهم أسيد بن خضير، في بن عبد الشهل »و بهذا وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدي كبير وخطير يتمثل في محاولة البعض الاستحواذ على السلطة السياسية فكان الناس أمام خيارات ثلاث متعددة:

 -الخيار الأول: أن يتولى زعيم الأنصار سعد بن عبادة السلطة.

– الخيار الثاني: أن يتولى على بن أبي طالب السلطة.

 – الخيار الثالث: أن يتولى أبي بكر الصديق السلطة.

وقد انتهى الجدل بأن بايع عمر أبي بكر وتبعه الناس، وتقدم أمام الحاضرين قائلا: » أيها الناس، إني قد كنت بالأمس مقالة ما كانت إلا من رأي، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إليا رسول الله، ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، حتى يكون آخرنا، وإن الله أبقي فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا ».

ويبدوا أن هذه الكلمات فعلت فعلها في قلوب وعقول الكثير من المسلمين، الذين لم يكن يهمهم السلطان والجاه،وإنما كانت تستحوذ على عواطفهم مسألة توحيد الكلمة، خاصة وأن الخليفة أو بالأحرى من تولى أمرهم بعد وفاة رسولهم، لم يكن إلا صاحبه ورفيق دربه، فكانت البيعة الخاصة في السقيفة نقطة تحول حقيقية، لتتبعها البيعة العامة في المسجد، بعد أن تقدم الرجل ليعرض برنامجه السياسي، ويطمئن الناس على مواصلته نهج الرسول، قائلا: « أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عنه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع أحدكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله ».

نستطيع القول هنا، أن خطبتي عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق توضحان جملة من المبادئ الأساسية للنظام السياسي الناشئ:

-ثقافة الاعتراف بالخطأ، كما كشفت عنه خطبة الأول، حيث اعتذار لمن أتهمهم بالنفاق لقولهم بوفاة الرسول ، وتبرير موقفه بسوء فهمه لقوله تعالى: » كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ».

-التأكيد أن بيعته للصديق لم تكن عن وصية من رسول الله، وإنما نتيجة لمكانة الرجل في الاسلام وفضله، وقربه من صاحب الشريعة.

   – وأخير أن ما تركه الرسول كفيل بهداية الأمة ووحدتها.

      أما ما كشفت عنه كلمة أبي بكر الصديق:

     – فقد اعتراف الصديق بأنه ليس أفضل الناس.

    – تأكيده على مواصلته منهج الرسول صلى الله عليه وسلم .

    – ربط طاعته بمدى تطبيقه لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    – وأخيرا تأكيده على حق الأمة في سحب بيعتها إذا شعرت بأن من بايعته انحرف عن العهد الذي قطعه على نفسه.

وهنا نستطيع القول إن ما حدث في السقيفة نجح في نقل المسلمين من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى أشد خطورة وأهمية يقودها تنظيم سياسي مستحدث، يجمع بين إرث الماضي القريب، ويحمل أمل المستقبل القائم على فكرة الاستمرارية، وهذا ما تم التعبير عنه بالخلافة، التي صارت حقيقة واقعية، قبل أن تكون فكرة، أو بالأحرى تجسيدا لشكل جديد من التنظيم السياسي والاجتماعي، أعده الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة سنوات طوال، فمصطلح خلف هنا أصبح يعني: الالتزام بقواعد الماضي في الحاضر، والتكيف مع مستجداته، وتهيئة الأمة لما ينتظرها في المستقبل، مع الالتزام بالمحافظة على المكتسبات، والتعهد بتثمينها، ومضاعفتها.

غير أن طبيعة تركيب المجتمع الجديد، والتحديات المحيطة به، جعلت عملية الانتقال التي نتحدث عنها تعترضها جملة من المعوقات، وهذا ما يفرض علينا أن نتساءل عن موقف غالبية الصحابة من العملية السياسية الجديدة التي أنتجت وضعا مستحدثا، فهل كان الرضى هو الشكل الغالب عما حدث؟ أم أن المعارضة كانت سيدة الموقف؟ وإذا كان الأمر كذلك في صالح هذه الأخيرة، فمن مثل هذا المعارضة، وما مبررات موقفها؟ وهو ما يمكننا أن نوضحه، من خلال إبرازنا لموقف الصحابة من فكرة الخلافة.

يتبع…

Leave a Reply