ثقافة وفنون

نظام الخلافة الراشدة السياسي : نشأته وتطوره وسقوطه

إعداد: دليلة قدور
-الجزء الخامس-
مهداة لروح الوالدة الحاجة مسعودة رحمها الله
موسى معيرش
جامعة عباس لغرور خنشلة الجزائر

كما عارض عمر بن الخطاب صلح الحديبية عندما اتضح له وجود بنود في نص المعاهدة مجحفة بحق المسلمين، وذهب بعيدا في هذه المعارضة حتى أنه سعى لمنع توقيع النبي عليها، وفي مجال الفلاحة جاء في صحيح مسلم أن: » أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا  » تمرا رديئا » فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم »، فهو هنا ليس خبيرا بالفلاحة، ولا بتقنياتها، وخبرته فيها محدودة جدا، ولم تذكر كتب السيرة- فيما يطهر لي- اشتغاله قبل البعثة بغير الرعي والتجارة.
ما نود الوصول إليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء ممارسته السلطة السياسية، وكل ما يتعلق بشؤون الدنيا، لا ينطلق بصفته رسولا موحى إليه، وإنما بصفته قائدا سياسيا بايعته الأمة لتولى هذا المنصب، سواء في العقبة، أو في بدر وحتى في غيرها ، ففي بدر مثلا عندما اتضح له خروجه عن بنود بيعة العقبة، التي كانت تكفل له الحماية فقط داخل إقليم المدينة ، اتجه بإرادته لطلب تجديد وتوسعة البيعة مرة أخرى ، لتشمل القتال معه خارج هذا الإقليم، وهو ما استجاب له الأنصار والمهاجرين دون تردد، و برحابة صدر رغم أن صحيفة المدينة جعلت منه حكما على القبائل المتنازعة فيما يتعلق بالخلافات البينية التي تحدث بين موقعيها.
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الغائبة من أخلاقه، وسلطاته الدنيوية عن الكثير من الدارسين والمؤمنين برسالته ، بقوله: » فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ »، وقوله في سورة الشورى: » وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ».
نعود لحديثنا عن عدم تحرك صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وتهيئة أنفسهم لمرحلة ما بعد النبي، ولعل ذلك يعود لتقديرهم الشديد له، وعدم رغبتهم في جرح مشاعره ، وبهذا لا يمكننا القول بعدم فهمهم لعديد الإشارات المختلفة المعبرة عن قرب والوفاة، ويفسر لنا عدم تحرك أحد لوضع تصور لما بعد هذه الوفاة، بغض النظر عما قاله البعض في هذا الشأن.
2: ظهور نظام الخلافة
توفى الرسول وانتقل للرفيق الأعلى ، ونزل خبر الوفاة كالصاعقة على أصحابه والمؤمنين به بعامة ، فكان من يجب التعامل مع الموقف الجديد ، ولم يعد الأمر يمكنه التأجيل ، بل كان لابد من التعامل مع الوقائع الموجودة على الأرض ، ذلك أن المسؤولية كبيرة والأمانة التي تركها المرحوم عظيمة .
مما يقودنا للتساؤل عن الكيفية التي تعامل بها أصحابه مع المستجدات للعبور بالمسلمين والإسلام بنجاح ،دون خسائر كبيرة والوصول لموطن النجاة، خاصة مع كثرة التهديدات التي أصبحت تشكلها القبائل المرتدة .
توضح لنا العديد من الكتابات التي تحدثت عن هذه المرحلة التاريخية ، الحس الكبير بالمسؤولية التي تمتع بها نخبة من الصحابة بعد أن بلغهم خبر الوفاة، و فقد تمكنوا من تجاوز صدمتها، كما حرصوا حرصا كبيرا على معالجة مسألة خلافته ، لدرجة أنها سبقت تجهيزات دفن جثته صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام.
فقد سارعت مجموعة منهم للاجتماع مباشرة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة له، ورغم انتهاء هذا الاجتماع بتعين أبي بكر الصديق على رأس المسلمين، إلا أن معضلة خلافته لم تنته بعد بصورة نهائية، فنحن أمام سلطة جديدة تمثل الاستمرارية، يمثلها أقرب أصدقاء الرسول، وصهره، ورفيق دربه ، لكنها لم تلقى قبول الجميع، بل على العكس من ذلك، فقد فتحت جرحا لم يكن موجودا، لم يجد طريقا لعلاجه ليومنا.
صحيح أنه من الصعب أن يشغل أحد مهما كانت شخصيته ومكانته، منصب الرسول صلى الله عليه وسلم القيادي، و يؤتمن على رسالته، لذا وجدنا حجج المعارضين تزداد، ولا تقف عند حد معين، فقد أثار التعيين أكثر من سؤال حول مشروعيته، والكيفية التي تم بها في الوقت نفسه، مما يجعلنا نتحدث عن مسألتين مهمتين، أولهما تتعلق فيما نسب للنبي نفسه في طريقة التعيين في هذه القضية والثانية تتعلق بمشروعية اجتماع السقيفة ومدى قانونيته في تعيين أبي بكر الصديق كأول خليفة للمسلمين.
1-2: إشكالية الوصية
تجمع العديد من كتب السيرة والحديث أن الأيام الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت حافلة بأوامره الداعية لضرورة تقديم أبي بكر الصديق للصلاة بالمسلمين، وهي إشارات ضمنية فهمها البعض بأن النبي يعد الصديق لخلافته، وهو يعد المسلمين لتقبله كزعيم ديني ودنيوي لهم في حالة وفاته. وقد نقل ابن كثير عن البخاري حديثا نبويا يؤكد ما قلناه، جاء فيه أن عائشة قالت: » إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: » مروا أبا بكر فليصل بالناس ».
وقد استجاب الصديق لهذا الأمر النبوي وصلى بالناس. وينقل ابن كثير هذا الحديث بروايات مختلفة، تجمع كلها على تفضيل أبي بكر للصلاة بالناس دون غيره، بل أن عمر بالخطاب قام للصلاة بالناس وعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته منعه وأستبدله بالصديق، رغم أن زوجته عائشة حاولت مراجعته في هذا الأمر دون فائدة.
ويضيف ابن كثير: » أن بن عباس قال: لما مرضى النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم وجد خفة فخرج فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر رضى الله عنه ».
ولا شك أن إمامة الناس في الصلاة تكون للأفضل منهم، وهذا ما يبينه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه حينما قال: » يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فأن كانوا سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما »، ويذهب أبي الحسن الأشعري إلى أن تقديم أبي بكر الصديق للصلاة بالمسلمين يرجع لكونه الأقدم والأعلم بين المسلمين.
وقد فهم كثير من المسلمين من هذا التقديم على أنه إشارة صريحة على موافقة النبي صلى الله عليه وسلم على تزكية أبي بكر الصديق كخليفة له على المسلمين، بل أنها أكثر من رضى فهي عبارة عن توجيه للمسلمين بضرورة اختياره خليفة له وتقديمه على غيره.
في مقابل هذه الإشارات، نجد إشارات أخرى من مصادر مغايرة، تحاول أن تعطى الأحقية لعلى بن أبي طالب، نذكر منها، قوله صلى الله عليه وسلم: » من كنت مولاه فعلى مولاه »، وقد احتج المعني بالأمر على أنصار أبي بكر الصديق، بكونه الأقرب لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو ابن أخيه، وزوج ابنته، وأنه إذا ما كان القرشيين احتجوا على أهل المدينة بقربهم من الرسول، فهو يحتج على هؤلاء بكونه أقربهم لبيت النبوة، غير أن المؤكد هنا، أننا لا نجد أوامر نبوية صريحة تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالسلطة لشخص بعينه محدد، وهذا ما نقف عليه في صحيح البخاري عندما يذكر أن النبي لم يستخلف أحد.
يتبع…

Leave a Reply