ثقافة وفنون

نظام الخلافة الراشدة السياسي : نشأته وتطوره وسقوطه

إعداد: دليلة قدور
-الجزء الرابع-
مهداة لروح الوالدة الحاجة مسعودة رحمها الله
موسى معيرش
جامعة عباس لغرور خنشلة الجزائر

2-1: تجهيز جيش أسامة بن زيد
لم يكن ما جاء في كلمة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الإشارة الوحيدة التي تنبي بقرب ساعة الرحيل، إذ يمكن أن نستشف العديد من أمثال هذه الإشارات، لعل أهمها، تجهيز الجيش المخصص لقتال المرتدين. خاصة فيما يتعلق بقيادته، بعدما أسندت لأسامة بن زيد، الشاب الذي لم يتجاوز من العمر سبعة عشر سنة، وهذا ما كشف عن تحول واضح في سياسة النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا أن في هذا الجيش كبار الصحابة، ولم يقم بتعين على قيادته واحد منهم. رغم سعى البعض لانتقاد هذا التعين بحجة أن قائد الجيش شاب، لا يمتلك من المؤهلات والخبرة التي تسمح له، فضلا أنه ليس من المعقول أن يتولى قيادة من هو أسبق منه إسلاما وأكبر منه سنا، غير أن النبي رفض حجج هؤلاء، وأصر على التعين، ويبدو أنه كان يريد أن يعلم أتباعه ضرورة طاعة من يكلف بقيادة المسلمين بغض النظر عمن يكون، وهذا خلافا لمن ذهب للقول، بأن تعين أسامة كقائد لجيش به رجال من الأوائل الذين أسلموا، هو تحضير وتمهيد لإبعادهم عن المدينة ليخلوا له الأمر ويقوم بتعين من يريد خليفة له على رأس السلطة السياسية. غير أن هذا القول غير صحيح، ولا يتفق مع معطيات الواقع، ولا مع طريقة تفكير الرسول، فالسلطة التي أهلته لوضع هؤلاء الصحابة تحت قيادة هذا الشاب تمكنه من أن يعين خليفة له، دون أن يجد معارضة حقيقية تمنعه من ذلك، لو كانت إرادته تتجه نحو هذا الأمر، وكانت الخلافة من العقائد، فما يتمتع به من مكانة ومصداقية تجعله بعيد عن مثل هذه التأويلات.
ولا بأس أن نتوقف هنا، عند فكرة انتقاد بعض الصحابة تعيين أسامة على رأس الجيش، فقد اعتاد الصحابة مناقشة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكثير من القضايا السياسية، خلافا للمسائل المتعلقة بالعقيدة، دون أن تكون لهذه المناقشة وحتى الانتقاد معبرة عن خلاف معه، بقدر ما تعبر عن اختلاف في وجهات النظر، في أمر متعلق بما هو دنيوي خالص، وكثيرا ما كان الرجل ينزل عند أراء أصحابه، كما كان يخالفهم أحيانا أخرى، و يتخذ القرار الذي يراه صائبا ويتناسب مع الوضع القائم، ويكفي أن نقدم بعض الأمثلة على ما نذهب إليه في هذا السياق، فقد نزل عند رأي أحد الصحابة في معركة بدر، وهذا ما تناقلته كتب السيرة :
 » قال ابن إسحاق : فحدثت عن رجال من بني سلمة ، أنهم ذكروا : أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال: يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، و بنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية » ، وقد تكرر الأمر في غزوة الأحزاب عندما أشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة ووافق عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
يتبع…

Leave a Reply