ثقافة وفنون

مستقبل التعليم في ظل جائحة كورونا : بقلم حشاني زغيدي – الجزائر-

إن ما يعيشه العالم اليوم من  أزمة خانقة  ألقت بظلالها على كل الأصعدة ، شغلت عقول المهتمين  من أساتذة  و خبراء  حول تصور المخارج  و بحث  الأولويات التي يجب اتخاذها   لمواصلة الأدوار التربوية و التعليمية     في هذا الظرف العصيب ؛   لتحمل المسؤولية الكاملة  لمجابهة  عدوَى الفيروس  الخطير ، و ان ما كتبه هو مجرد رأي من مجموعة أراء أحاول فيه  تقديم خلاصة رأي  رجل عاش عمره  في رحاب التربية و التعليم لعقود عديدة .

« على السلطة الوصية تفعيل خطط الوقاية المستدامة في أبعادها الشاملة ودعم المنظومة التربوية والتعليمية لتواكب الظروف المستجدة   « 

إن الحدث اليوم يفرض نفسه، ليقي بظلاله في موائد النقاشات والدراسات، ويفرض نفسه ليكون حديث الساعة لأنه يرتبط أساسا بمستقبل الأجيال، ومستقبل الحافظ على حياة الإنسانية، وفي حديثي مع صحيفتي وقرائي سيكون حديثا موضوعيا بعيدا عن العواطف أو ردود الأفعال، فالحديث عن مواصلة المؤسسات التربوية والتعليمية وعودتها لأداء أدوارها المنشودة أو الميل لإيقاف الدراسة خوفا من تفشي «كوفيد 19» أمر واجب، والتفكير فيه، بل هو من صميم واجب الاهتمام بشؤون الأمة لأنه فريضة دينية وضرورة إنسانية. أقول بتوفيق من الله وعونه، الكل يعلم أن العالم يعيش اليوم وضعا لا يحسد عليه بسبب جائحة « كوفيد 19″، يعيش وضعا أضر بجميع مناحي الحياة حتى أصبح الوضع مقلقا جدا، وأصبح وضعا لا يطاق، ونحن نرى العالم برمته يبحث عن النجاة وأصبح العالم المتقدم الذي يمتلك المنظومات الصحية التي تتحكم فيها تكنولوجيات متطورة ويملك بنيات صحية متقدمة وكوادر علمية نابغة يقف عاجزا عن احتواء الأزمة؛ فما بالك من هم دون ذلك؟ وأعني بها الدول المتخلفة أو قل الفقيرة أو السائرة في طريق النمو، الكل تأثر بهذه الموجة العنيفة غير المألوفة التي هزت أركان العالم، ونحن نرى ونبصر الآثار السلبية التي ظهرت بوجه خاص في النواحي الإستراتيجية والمهمة فتراجعت عجلة النمو الاقتصادي والتجاري، كما ظهرت آثاره السلبية مضاعفة على الصعيد التعليمي -الذي يخص حديثنا- فدخلت المدارس والجامعات والمعاهد في عطلة طويلة طوعية دامت شهورا، وقد أضرت بمستقبل المنظومة التربوية.

إن غلق أبواب المؤسسات التعليمية في بداية الأزمة كان طبيعيا لخطورة الوضع النفسي والصحي الذي يعيشه العالم بسبب المخاوف والأخطار الناجمة على صحة الإنسان. يكفي لبيان خطورة الوضع متابعة الإحصاءات والأرقام المخيفة التي تصدرها المراكز المتخصصة، فكل التقارير الأولية تشير إلى عدد الإصابات في الأطقم المباشرة لجائحة « كوفيد 19 ». وإن تأثير تلك المخاوف طبيعي، لأن العالم لم يتأقلم مع الجائحة وأخطارها، كما هو حرص على صحة تلاميذنا وأُسرهم والأطقم الساهرة.. حرص يفرضه نقص جوانب تأهيل الأطقم والموارد والهياكل الصحية، بما فيها الخدمات الصحية.

وقد زاد العبء المسجل على رعاية الفئات الفقيرة ذات الأجور الضعيفة، حيث أصبح أولياء التلاميذ ملزمين بشراء الكِمامات والمعقمات نتيجة عجز الكثير من المؤسسات توفير شروط البروتوكول الصحي المفروض، وزاد على ذلك حاجة الطلاب للوازم المدرسية جعل الأُسر منهكة بحمل يفوق طاقتها.

وأما إذا عدنا إلى الوضع الذي تعيشه المؤسسات التربوية ومنظومتها التربوية، فإن الحديث عن الوضع ذو شجون! نظرا للواقع الذي تعيشه المدارس فهو واقع مقلق جدا.. ضغط في البرامج، ضخامة في الحجم الساعي، وتذبذب في تنظيم جداول الخدمات، وانعدام الاستراحات البيداغوجية للتلاميذ، فالتلاميذ محبوسون في الأقسام ستة حصص أو تفوق كأنه حظر للتجول.. إن التعليم والتعلم في ظرف العزلة الاجتماعية بسبب جائحة « كوفيد 19 » ينجم عنه العنف الجسماني بين التلاميذ، بسبب الضغوط لأن علمية التربوية تفاعلية نشطة.

وما يزيد من سوء الوضع تدمر الكثير الأطقم التربوية لفقدان الأمان والخوف الطبيعي من العدوَى وإن جميع هذه الآثار تجعلنا أكثر حذرا وحيطة، وأن هذه الآثار تجعلنا أكثر إدراكا ووعيا للمخاطر لأن رأس مال أي نظام أو دولة هو الحفاظ على الأرواح، وأن الصحة رأس مال مهم، وأن تحصيل الوقاية أمر مهم جدا، وأن تحقيق التعافي من هذه الجائحة سيد الأهداف وأرفعها.

لهذا.. أقدم نصيحتي بصفتي أستاذا ومسيرا تربويا قضى زهرة عمره في قطاع التربية، وأقترح جملة من التدابير التي أحسبها خادمة:

– الالتزام الحرفي بالبروتوكول الصحي في المدارس، التعقيم اليومي للمدارس، توفير الكِمامات والمعقم مجانا للتلاميذ، توفير حماية كافية للأطقم التربوية جميعها، تخفيف المناهج والبرامج، الاكتفاء بالمواد الأساسية في التدريس، تمكين التلاميذ من استراحة بيداغوجية بين الحصص، منح الأساتذة استراحة بيداغوجية يومي السبت والجمعة، منح المفتشين والمديرين مرونة في تكييف جداول الخدمات تكيفا مع وضع الجائحة، تفعيل تقنية التحاضر عن بعد في التنشيط التربوي التكويني، إشراك كل الفاعلين في التربية في المشاركة بما فيهم شريحة المتقاعدين، تفعيل وحدة الكشف والمتابعة لأداء أدوارها وتوفير حماية بطاقم طبي فاعل.

ختاما.. على السلطة الوصية تفعيل خطط الوقاية المستدامة في أبعادها الشاملة، منظومة تواكب الظروف المستجدة، تكوين الأطقم التربوية وكواردها على تكنولوجيا العصر، وتفعيل الشركاء الاجتماعيين من المرافقة في تقديم يد العون والمساعدة خدمة للأجيال وتحصينا وحماية للوطن.

Leave a Reply