ثقافة وفنون

اللغة الفرنسية إحتلال إستيطاني عنصري مدمر بقلم : أ . د . بومدين جلالي – الجزائر-

إعداد: دليلة قدور

وصلت اللغة الفرنسية إلى الجزائر في أواخر الثلث الأول من القرن التاسع عشر للميلاد فوق بنادق الجيش الاستعماري الفرنسي الذي طبّق حربا إبادية جرائمية على الجزائريين والجزائريات وذلك لما قوبل بمقاومات شعبية متعددة في كل منطقة من أرض الجزائر الواسعة. وبتعثر تلك المقاومات الواحدة تلو الأخرى خلال ما يربو عن ثلثي قرن من الجهاد؛ كانت فرنسا تبني في كل مساحة تصل إليها ثغرا عسكريا أو ثكنة ضخمة لعساكرها وتفتح المجال لشذاذ أوربا واليهود المرافقين لحملتها كي يستقروا في حماية تلك الثكنات بصورة نهائية وفي الوقت ذاته تجرِّد ما تبقى من أهل البلاد من ممتلكاتهم وأراضيهم، كما كانت أيضا تشيِّد كنيسة أو كنائس وفي الوقت ذاته تهدم معظم المساجد وتحوِّل ما تبقى منها إلى إسطبلات للحيوانات بعد أن تقتل من تقتل وتطرد من تطرد من المصليِّين، كما كانت كذلك تفتح مدارس فرنسية اللسان والمنهج والغاية وتغلق المدارس القرآنية وتنهب عقارات الحبوس ومكتبات المخطوطات العربية الإسلامية الجزائرية.

ولما تمكنت فرنسا من السيطرة على البلاد وجل العباد فرضت اللغة الفرنسية وحدها لغة رسمية للجزائر التي قسمتها إلى ثلاث مقاطعات ( الجزائر – وهران – قسنطينة ) تابعة لها، بل جزء لا يتجزأ منها، واعتبرت اللغة العربية لغة أجنبية ثم شجّعت بأنتروبولجيتها العنصرية التزويرية جغرافية الأعراق وصراع لهجاتها ضمن إستراتيجية قتل العربية القرآنية في البلاد كلها لتسود الفرنسية بمفردها فوق اللهجات البسيطة المتعادية بخطة جهنمية محكمة لم تذب أمامها بصورة نهائية إلا بعض الزوايا التراثية ثم المدرسة الإصلاحية التي ظهرت بعد قرن من الاستدمار الفرنسي.

 هكذا لم تدخل اللغة الفرنسية فضاء الجزائر بوصفها لغة أجنبية تعلمتها جماعات من الناس برغبة تعلما سطحيا لغايات سياحية أو تواصلية عابرة في هذا المجال أو ذاك، كما لم تدخل لضرورة حضارية فتعلمتها نخب محددة تعلما عميقا بوصفها حاملة لعلوم العصر ومختلف معارفه التي لا تحَضُّرَ من دونها، وإنما دخلت إلى الجزائر والدماء في حروفها والشرور تحت قدميها والمؤامرات تصاغ بأسلوبيتها التي يعني بها ثالوث ( الحرية / المساواة / الإخاء ) في إقليمها ضمن أوروبا الغربية البيضاء اللاتينية الصليبية القوية مؤقتا شيئاً ولكنه يعني في الجزائر خصوصا النقيضَ تماما بحكم أنها مختلفة بانتمائها ولونها ولغتها ودينها وضعفها المؤقت شيئاً معاكساً يبيح حق استعباد شعبها ونهب خيرات أرضه ومحو هويته التاريخية أو إبادته دونما أدنى حرج مثلما حدث للهنود الحمر والأبوريجان.

وترتب عن كون اللغة الفرنسية احتلالاً هيمنتُها بقوة الحديد والنار على كل مفاصل الجزائر التي فيها مصلحة ما يريدها الاستعمار، وترتب عن كونها احتلالاً استيطانا أنها أصبحت لغة رسمية للجزائر مباشرة مع تمكن الاستعمار منها ولم تخرج من فضاء الجزائر مع الخروج الاستعماري الرسمي في نهاية الثورة التحريرية التي انتصرت علي الاستعمار عسكريا ودبلوماسيا وشعبيا ولم تنتصر عليه لغويا وثقافيا وسلطويا، وترتب عن كونها احتلالاً استيطانياً عنصرياً أنها عملت – من أجل البقاء في الجزائر منفردة  سيدة دون شريكة لها – على اعتبار أنّ اللغة العربية الجامعة للشعب الجزائري لغة أجنبية متخلفة بمحمولها الديني الإسلامي ولا حق لها في البقاء كما عملت على ضرب اللهجات ببعضها من منطلقات عرقية جهوية ماكرة مشككة في الأصول والتاريخ بغية محو عروبة الجزائر وإسلامها، وترتب عن كونها احتلالا استيطانيا عنصريا مدمرا أنها أثناء الزمن الاستعماري ساهمت في بناء الاقتصاد الكولونيالي بتأهيل الأقدام السوداء ورصِّ صفهم لغويا ودينيا وغائيا في مقابل تهديم الاقتصاد المحلي المتوارث في الجزائر على اعتبار أنه لا يتماشى مع الروح الفرنسية الغربية المالكة الجديدة للبلاد بحق تفوق العرق الأبيض على غيره من الأعراق الملونة وهو ما نتج عنه ثراء المستوطنين الأوروبيين البيض إلى درجة التخمة وفقر أهل البلاد الملونين إلى درجة الهلاك جوعاً ولم يقف تدميرها عند هذا الحد بل استمر بعد الاستقلال الوطني لأن التنمية التي اقترحها الثوار الوطنيون المخلصون قد كان جل  تأطيرها – إن لم أقل كله في بعض الفترات – بورثة الاستعمار الذين أهلتهم فرنسا لسانا وعقيدة ومنهجا وولاء للقيام بتدمير الجزائر المستقلة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وهو ما حدث ونحن نعيش نتائجه المأساوية في الزمن الأخير.

أكتفي هنا بسرد هذا القليل القليل من الكثير الكثير الذي فعلته اللغة الفرنسية في بلادنا تاركاً المجال لسؤال ضروري يطرح نفسه بنفسه، هو :

هل يمكن أن نعتبر اللغة الفرنسية مجرد لغة أجنبية عادية بعد هذا الاحتلال الاستيطاني العنصري المدمر الذي خَنْجَرَ شعور الإنسان الجزائري ولا شعوره معاً كما خنجرَ الأرض وما فوقها وما تحتها طيلة أزمان وأزمان، وهو مستمر بعدوانية همجية تتسع وتتعمق كل يوم  ؟!

طبعا لا أقترح على قراء هذا المقال من الجزائريين والجزائريات إجابة معينة عن السؤال المطروح وإنما أدعو كل شخص منهم أن ينطلق من ضميره وتاريخ أسلافه ومصلحة بلاده ويحدد موقفا عاقلا واعيا ويساهم في تحقيقه …مع أملي أن يكون هذا الموقف لصالح الجزائر الحرة السيدة.

Leave a Reply