ثقافة وفنون

مدخل العمل من أجل مستقبلٍ عربيٍّ أفضل : مدير « مركز الحوار العربي » في واشنطن » صبحي غندور

إعداد : دليلة قدور

-الجزء الثاني-

ألا يحقّ للعرب، وهم يعيشون الآن كابوس حاضرهم، أن يعملوا من أجل مستقبلٍ عربيٍّ أفضل يكون عماده بناء « الولايات العربية المتّحدة » القائمة على أوضاع دستورية مدنية سليمة؟! ألم يقل تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمّرت فيها دول أوروبا بعضها البعض، بأنّه يرى بعد نصف قرنٍ من الزمن أوروبا موحّدةً؟! وهو ما تحقّق فعلًا!.
إنّ مسألة « الهوية العربية » هي قضية معاصرة الآن، ومهمّة للمستقبل العربي المنشود، ومدخلها العملي هو كيفيّة المحافظة على الهويّة الوطنية الواحدة المشتركة، في مقابل محاولات الفرز الطائفي والمذهبي والإثني داخل الأوطان العربية. ومشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، لحوالي قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّات مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين الهويّات المتعدّدة أصلًا للإنسان العربي. إنّ الشخص العربي هو الإنسان المنتمي للثقافة العربية أو لأصول ثقافية عربية. فالهويّة العربية لا ترتبط بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي أو منظور أيديولوجي، ولا تخضع لمتغيّرات الظروف السياسية. إنّ الانتماء إلى العروبة يعني الانتماء إلى أمّة واحدة من حيث تكامل عناصر الأمَّة فيها: لغة وثقافة واحدة لشعوب ذات تاريخ مشترك على أرض مشتركة ولها مصائر ومصالح مشتركة قد تعبّر مستقبلًا عن نفسها بشكلٍ من أشكال التكامل أو الاتّحاد بين بلدانها.
إنّ الهويّة العربية هي دائرة تتّسع، في تعريفها ل »العربي »، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية بغضّ النظر عن أصوله العرقية أو الإثنية. إنّ العروبة هي تعبير عن الانتماء إلى أمّة لها خصائص تختلف عن القوميات والأمم الأخرى حتّى في دائرة العالم الإسلامي. إنّ معظم شعوب العالم اليوم تكوّنت دوله على أساس خصوصيات ثقافية، بينما الثقافة العربية لا يُعبّر عنها بعدُ في دولةٍ واحدة. ونجد الآن داخل الجسم العربي من يُطالب بدول لثقافات إثنية (كحالة الأكراد والأمازيغيين، وكما جرى في جنوب السودان) بينما الثقافة العربية الأم نفسها لا تتمتّع بحالة « الدولة الواحدة ». فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافاتٍ خاصة بها، بل هي محدّدةٌ جغرافيًا وسياسيًا بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية. وصحيحٌ أنّ هناك خصوصياتٍ يتّصف بها كلُّ بلد عربي، لكن هناك أيضًا أزمات يشترك فيها كل العرب أو تنعكس آثارها على عموم أقطار الأمَّة العربية، وهي مشاكل وأزمات تؤثّر سلبًا على الخصوصيات الوطنية وعلى مصائر شعوبها. ولذلك هناك حاجةٌ ماسَّة الآن للانطلاق من رؤية عربية مشتركة لما يحدث في الأمّة العربية وحولها، وعدم الانشداد فقط للهموم الخاصّة بكلّ بلدٍ عربي، وبالتالي العمل من أجل نهضة عربية مشتركة، كما هي الحاجة أيضًا لبناء خطاب وطني توحيدي داخل الأوطان نفسها.

Leave a Reply