ثقافة وفنون

ماذا كان؟ : محمد موسى العويسات  – فلسطين-

 -الجزء الثاني-

كلّ هذه الأمور رصدتها الّرواية التي بين أيدينا، من خلال أحداث كانت شخصيّاتها الرئيسة الجاسوس الإنجليزيّ المستعرب آرنولد ديزرائيلي، الذي تسمّى بالشّيخ إبراهيم الحلبيّ، وكان يتحدّث التّركيّة والعربيّة التي تشوبها لكنة غير خافية، وكان مكلّفا من ملك بريطانيا مباشرة بالاستطلاع والتعرّف على بلاد الشّام ومنها فلسطين، ودراسة كلّ شيء فيها، ورسم الخرائط ، وكان مهتمّا اهتماما بالغا بمعرفة اللّغة العربيّة وجمع بعض ألفاظها. وشخصيّة مريم الكسوانيّة، من قرية بيت إكسا، التي كانت في نظر أهل قريتها وقرية الحرم فيما بعد امرأة مشؤومة يموت كلّ من يتزوّجها، ولكنّها امرأة ذات شخصّية قويّة مولعة بالتّرحال والتّعرّف على البلاد، وفي قرية الحرم تزوّجها دزرائيليّ (الشّيخ إبراهيم الحلبيّ)، وأخذ يجوب بها البلاد، فلمّا حملت منه وأدركها المخاض، التجأ إلى قرية بيت سقاية غرب القدس وهناك وضعت وليدتها سارة الشّخصيّة الرئيسة الثّالثة في القصّة، التي تربّت في بيت ابن حمّور لدى أمّه المكنّاة أمّ البلد، بعد أن غاب أبوها في عودة له إلى إنجلترا، واختفت أمّها في رحلة صعبة مؤلمة للبحث عن زوجها الشّيخ الحلبيّ، ومن قرية المالحة انتقلت سارة إلى القدس بعد أن كان اختطافها من قبل رجل أحبّها سببا في القضاء على قرية بيت سقاية، فيما يسمّى بالصّراع بين اليمنيّة والقيسيّة، وتأخذ سارة هذه جزءا مهمّا من الرّواية على امتداد مكانيّ واسع تراوح بين القدس في فلسطين ومدن أخرى من مثل غزّة ويافا، والإسكندريّة في مصر، وتونس واستانبول في تركيّا. وقد واجهت في هذه البلاد تجارب وأحداثا كبيرة وفي بعضها كانت مؤلمة. ففي القدس تعلّمت القراءة والكتابة والفقه الشافعيّ في بيت محمد أبي السعود مفتي الشّافعيّة في القدس، وتزوّجت من التّونسيّ عبد الرّحمن، وفي الإسكندرية تعرّضت للاغتصاب على أيدي رجال الألفيّ الذي كان يصارع محمد علي على حكم مصر، وفي إستانبول شهدت حربا طاحنة بين الإنكشاريّة وجيش الإصلاحيّين، وفي غزّة شهدت اجتياح البدو لمدينة غزّة واستباحتهم لدماء أهلها ونهبها، وعادت إلى القدس، وفي كلّ هذه المسيرة كانت تتحرّى أو تبحث عن أمّها وأبيها، أبيها الذي اكتشفت من خلال رسالته التي آلت إليها في بيت سقاية والمخطوطات التي كان قد استودعها عند شيخ قرية الحرم في يافا أنّه جاسوس إنجليزيّ، فعاشت صراعا نفسيّا عظيما،  وقد انتهت الرّواية بتعرّف سارة على أمّها وأبيها بعد أحداث حرق كنيسة القيامة في صراع بين الأرمن وطوائف النّصارى الأخرى. وظهر أنّ أباها كان مطلوبا للسّلطة البريطانيّة بتهمة الخيانة لمهمّته، ومخيّرا بين العودة لبريطانيا أو الذّهاب إلى أستراليا، يقول الكاتب على لسان سارة: « سارا باتّجاه السّفينة، انخلع قلبي ألما لمّا ابتعدا… توقّفا ونظرا إليّ، ثمّ رأيت أمّي تعود باتّجاهي، ففتحتُ ذراعيّ، سار أبي بعيدا، توقّف مرّة أخرى، فتح صندوقه وأخرج عباءة الشّيخ إبراهيم وعمامته، وضعهما، وأتى. »

وقد تمكّن الكاتب من رسم معالم شخصيّاته رسما بديعا، وبخاصّة في الجانب النّفسيّ، وتجلّى هذا في رسم شخصيّة الجاسوس البريطانيّ الشّيخ إبراهيم الحلبيّ، فكان أنموذجا لشخصيّة كثيرين من الجواسيس البريطانيّين وغيرهم الذين جاءوا إلى بلاد العرب والمسلمين في مهمّات استعماريّة، فتعلموا اللّغة والدّين، وتزوّجوا من أهل البلاد وعاشوا في مجتمعاتها وتأثّروا بهم تأثّرا بيّنا، فالتبس أمرهم على أهل البلاد: هل تخلّوا عن مهمّاتهم التّجسّسيّة ودخلوا الإسلام أم بقوا على ما هم عليه من ولاء؟ فقد التصق هذا الجاسوس بهذه البلاد الجميلة وأحبّ أهلها، وشهد بشائع وقتلا بين أبنائها في صراعات بين الأمراء، جعله يستنكر مهمته، وجعله يدور في صراع نفسيّ بين عاطفة إنسانيّة وبين الولاء لحكام بلاده وسياسة دولته المستعمرة، لذا وجدناه قد أخفى الكثير من الخرائط والوثائق والمعلومات التي جمعها وحجبها عن دولته، فعاش ردحا من الزّمن متخفّيا في القدس في دير الأرمن مطاردا من حكومة بريطانيا.

ويشير الكاتب في نهاية الرّواية إلى أنّه رجع بعد أن همّ بمغادرة البلاد وأخرج من الصّندوق عباءة الشّيخ إبراهيم وعمامته، يقول على لسان سارة: « …  ثمّ رأيت أمّي تعود باتّجاهي، ففتحتُ ذراعيّ، سار أبي بعيدا، توقّف مرّة أخرى، فتح صندوقه وأخرج عباءة الشّيخ إبراهيم وعمامته، وضعهما، وأتى. » هذا النّصّ لا يقطع بأنّه تخلّى عن مهمّته، بل إنّ كلمة (أتى) لهذا الرجل الغريب تتساوق مع العنوان في الإيحاء بأنّ السّياسة الإنجليزيّة في بلادنا قد نجحت في تهيئة الظّروف أو استغلال الظّروف للاستعمار القادم. وكان النجاح الكبير في أن يلتبس أمر آرنولد ديزرائيلي على أهل البلاد رغم اللّكنة التي تشوب عربيّته، وجاز عليهم أنّه شيخ حلبيّ، وكان نجاحه كبيرا في مهمّته عندما تزوج مريم الكسوانيّة، فزواجه منها له دلالة رمزيّة هي أنّ الإنجليز وجدوا الحاضنة لهم في هذه البلاد، فقد وجد هذا الجاسوس من يقبله ويشاركه مهمّته ويوافقه في رغبة الاستكشاف، وجد من يتقبّله على علمه بأنّه جاسوس، فينقذه من القتل في مذبحة يافا، ومن الإعدام في فتنة كنيسة القيامة، وهذا هو البعد البعيد لشخصيّة مريم، ثمّ كان النّجاح الباهر أن ينجب من هذا الرّحم العربيّ ذرّيّة تحفظ الولاء له، فتتشبّث به ولا تريده أن يغادر البلاد بعد أن بحثت عنه طويلا وتألمت كثيرا لفقدانه، ورغم  تلك الثّقافة العربيّة والإسلاميّة التي تلقّتها في القدس، حتى غدت مدرّسة في إحدى مدارسها، بقيت تحتفظ بدماء الإنجليز، فكأنّ سارة ترمز إلى نجاح الإنجليز في الوصول إلى صلب الثّقافة العربيّة في بلادنا.

 وهكذا أجابت الرّواية عن الأسئلة التي أثارها العنوان، فما كان قبل أن يأتي الغرباء هو أحداث وأحوال سياسيّة وغير سياسيّة هيّأت الظّروف والبلاد لقدوم الغرباء، الغريب الأول الذي جاء بالغريب الثّاني فكان ما نحن فيه من ضياع. وهكذا نكون أمام رواية ذات أبعاد واقعيّة وتاريخيّة ورمزيّة، فأجمل الأعمال الأدبيّة ما يقرأ على وجوه مختلفة، والرّمزيّة في هذه الرّواية ليست كناية في كلمة أو عبارة موحية، بل هي قراءة تستكشف وجها آخر لمجمل هذا القصّ، بتأويل التّفاصيل أو ترتيبها في إطار يصطنعه القارئ بفهمه الخاصّ.

Leave a Reply