ثقافة وفنون

مدخل العمل من أجل مستقبلٍ عربيٍّ أفضل : مدير « مركز الحوار العربي » في واشنطن » صبحي غندور

إعداد : دليلة قدور

  – الجزء الأول-

تفاعلت قضايا عديدة في المنطقة العربية وفي العالم خلال السنوات الأربعين الماضية، وكانت بمعظمها تحمل نتائج سلبية على الهويّة العربية المشتركة، فتنقلها من كبوةٍ إلى كبوة، وقد امتزجت هذه السلبيّات مع انجذابٍ أو اندفاعٍ في الشارع العربي إلى ظاهرة « التيَّارات الدينية والطائفية » التي دعمتها عوامل كثيرة، داخلية وخارجية، والتي ساهمت بأن يبتعد المواطن العربي عن « هويّته العربية » وأن يلتجئ إلى أطرٍ سياسيةٍ وفكرية تحمل مشاريع ذات سمات دينية/طائفية أو مذهبية، اعتقادًا أنّها هي الأساس الصالح لمستقبلٍ أفضل.

لكن المشكلة أنّ هذه « البدائل » كانت وما تزال مصدر شرذمة وانقسام على المستويين الوطني والديني، خاصّةً أنّ معظم البلاد العربية قائمة على تعدّدية طائفية أو مذهبية أو إثنية، أو كل ما سبق معًا، كما هو الحال في بلاد المشرق والمغرب معًا، أو تحديدًا كالتي هي الآن محور الصراعات المتفجّرة في بعض بلدان المنطقة،حيث التحدّي الكبير ما زال قائمًا مع مشاريع التمزيق والتقسيم والتدويل، وحيث المواجهة أحيانًا هي مع بعض هذه الحركات العنفية التي شوَّهت في ممارساتها صورة الإسلام والمسلمين.

لذلك هناك حاجةٌ وضرورة عربية الآن لإطلاق »تيّار عروبي توحيدي » فاعل يقوم على مفاهيم فكرية واضحة، لا تجد تناقضًا بين الدولة المدنية وبين دور الدين عمومًا في الحياة العربية، ولا تجد تناقضًا بين العروبة وبين تعدّدية الأوطان بل تعمل لتكاملها. « تيّار عروبي توحيدي » يرفض استخدام العنف لإحداث التغيير في الحكومات والمجتمعات أو لتحقيق دعوته أو في علاقاته مع الآخرين، ويميِّز بين الحقّ المشروع لأبناء الأوطان المحتلَّة بالمقاومة ضدّ قوات الاحتلال، وبين باطل استخدام أسلوب العنف ضدّ غير المحتلّين وخارج الأراضي المحتلّة. « تيار عروبي » يدعو للبناء السليم للمؤسّسات العربية المشتركة، وللمنظّمات المدنية المبنية على أسلوب العمل الجماعي الخادم لهدف وجودها. « تيّار عروبي » تكون أولويته الآن هي حماية الوحدة الوطنية في كلّ بلدٍ عربي وليس الانغماس في وحل الصراعات الأهلية.

لقد كان عقد الخمسينات من القرن الماضي بدايةً لإطلاق حركةٍ قومية عربية وسطية « لا شرقية ولا غربية »، ترفض الانتماء إلى أحد قطبيْ الصراع في العالم آنذاك، وترفض الواقع الإقليمي المجزّئ للعرب، كما ترفض الطروحات القومية الأوروبية العنصرية والفاشية، وتنطلق من أرض مصر التي هي موقع جغرافيّ وسط يربط إفريقيا العربية بآسيا العربية، وتعيش على ترابها أكبر كثافة سكّانية عربية تملك، قياساً بسائر الأقطار العربية الأخرى، كفاءاتٍ وقدراتٍ بشرية ضخمة.

تلك مرحلة قد انتهت، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن لم تدرك جماعاتٌ كثيرة بعد أنَّ « القومية العربية » أو « العروبة » هي هويّة ثقافية وليست مضمونًا فكريًا وسياسيًا قائمًا بذاته، وبأنّ بديل ما نرفضه الآن من انقسامات وطنية وطائفية ومذهبية هو التمسّك بالهويّة العربية التي تستوعب أيضًا تحت مظلّتها كل الخصوصيات الإثنية الأخرى. فالهوية العربية مثلها كمثل « الهوية الأميركية » التي استوعبت مئات الملايين من أصول عرقية وإثنية ودينية مختلفة، ومثلها كمثل الاتّحاد الأوروبي وما فيه من تنوّع إثني وثقافي ولغوي حتّى. ولم يتحقّق ذلك للأميركيين وللأوروبيين إلاّ بعد قيام اتّحاد بين ولاياتهم وأوطانهم على أساس دستوري سليم، رغم خوضهم في القرنين الماضيين الكثير من الحروب والصراعات الدامية فيما بينهم.

Leave a Reply