ثقافة وفنون

متى وكيف يمكن أن يصبح واقع الجزائر بخير ؟ بقلم : الأستاذ الدكتور بومدين جلالي – الجزائر-

إعداد : دليلة قدور

ممّا لا يختلف فيه اثنان عاقلان منصفان هو أنّ راهن الجزائر مريض بصورة تكاد تلامس الحالة الإنعاشية … فالوضع الاجتماعي النفسي العام شبه منهار وهو من انحدار إلى انحدار، والوضع الاقتصادي في مختلف مجالاته يعيش الفوضى والتخلف، والدولة بجلّ مؤسساتها غائبة غالباً وإذا ظهرتْ استثناءً فهي في شبه غيبوبة، والمجتمع كأنه ليس مجتمعا في أبسط سلوكاته كما في أكثرها تعقيداً، والإنسان الجزائري هو غالبا أحد ثلاثة : إما متمرد على كل شيء بدون غاية ولا هدف إلا فيما ندر وإما يعيش اللامبالاة بين شكليْها النسبي والمطلق كأنّ أمر البلاد لا يعنيه وإما يمارس الانتهازية ويلعق الصحون كلها …
وبرغم هذه التمظهرات الدالة على نكبة كارثية محدقة بالبلاد والعباد إلا أنّ هناك ما يمكنه أن يحيل على احتمال مستقبل معقول وحتى جيد إذا ما تمَّ تدارك الوضع … ومن هذه الإمكانات التي يمكن التأسيس عليها لمستقبل أفضل بكثير ممّا يتوقعه كبار المتشائمين والمتشائمات ما يلي :
–1 أهمية الفضاء الإستراتيجي الذي تتموقع فيه الجزائر مغاربيا وعربيا وإفريقيا ومتوسطيا …
– 2 عمق التجربة التاريخية بقساوتها التي لا تترك أكبر نسبة من أهل الجزائر يدخلون مغامرات كبيرة خطيرة تؤدي بهم إلى فم الغول …
– 3 ثروة ضخمة دائمة تتمثل في الأراضي الفلاحية والطاقة الشمسية والفضاءات السياحية الصالحة للحر والقر وما يجري هذا المجرى إضافة إلى إمكانات استقطاب الاستثمارات العربية والعالمية في ما يجد الشعب الجزائري ذاته ومصالحه فيه ويجد المستثمرون فائدتهم فيه دون مصادمة ولا معاناة …
– 4طاقة بشرية شابة متجددة هائلة أثبتت أين ذهبت عبر العالم أنها قادرة على الإنتاج النوعي والعطاء الدائم إذا ما توفر لها الحد الأدنى من التأهيل الضروري والظروف المناسبة والمحفزات المختلفة …
– 5 مرجعية دينية قيمية حضارية مساعدة على الاستقرار الروحي والسلم الاجتماعي والانخراط في الفعل الحضاري عند أول فرصة حقيقية إذا ما تمّ توظيف هذه المرجعية بمنظور نقلي عقلي مناسب لطبيعة الشعب الجزائري وخصوصية هويته.

متى يكون ذلك وكيف يكون ؟

*متى* هذه ليست مرتبطة بتاريخ دقيق عندما يصل ينطلق كل شيء. فيمكنها أن تكون اليوم أو الغد القريب أو الغد البعيد قبل أن تقع الفأس في الرأس بضربة نهائية قاتلة ويتفكك المجتمع وتنقسم البلاد بصورة لا رجعة فيها كما حدث ويحدث في كثير من البلدان العربية التي تركت *متى* مفتوحة على مستقبل مجهول لا حدود له ولا معالم مضبوطة مدروسة توجه حركته … وكلما حددت الجزائر *متى* بشروطها التاريخية الموضوعية في أقرب وقت ممكن كلما كان المستقبل أحسن وأفضل ممّا يتوقعه المتوقعون والمتوقعات …
أما ما يخص *كيف* الواردة بعد متى؛ فأمرها سهل جدا جدا وصعب جدا جدا ويمكن أن يكون مستحيلا … فهو سهل إذا قررت الدولة الجزائرية – بالتزام تام – أن تكون دولة بأدق معنى الكلمة، وقرر الشعب الجزائري أن يكون شعبا بأدق معنى الكلمة، وقرر المواطن (ة) الجزائري(ة) أن يكون مواطنا بأدق معنى الكلمة … وهو صعب إذا ما حدث خلل مؤقت في قرار والتزام الدولة أو الشعب أو المواطن بنسبة يترتب عليها ثمن باهظ … وهو مستحيل استحالة تامة إذا تخلت الدولة عن مفهوم الدولة وتخلى الشعب عن مفهوم الشعب وتخلى المواطن عن مفهوم المواطن … والتخلي معناه حدوث الكارثة دونما أدنى شك أو ريب، ولا مجال بعد ذلك لإصلاح ما فات أو استدراك بعضه …
وبغية بعض التوضيح لكل هذا؛ أضيف :
الدولة الجزائرية الحالية – مشخصة بالخصوص في نظامها الحاكم ومؤسساته، وبالنظر إلى ممارسات أكثرية مكونات هذا النظام ومعظم هذه المؤسسات – ليست دولة دينيه إسلامية ولا مدنية ديمقراطية ولا عسكرية استبدادية ولا هوائية رغباتية ولا مازجة بين هذه العناصر كلها أو بعضها بشيء من الذكاء والحكمة وإنما هي دولة ريعية فوضوية فاسدة غير مسؤولة، قانونها هو اللاقانون ومعقولها هو اللامعقول والعبث السياسي فيها هو سيد الموقف، أفسدت الماضي بالتزوير وأفسدت الحاضر بالتبذير وستفسد المستقبل بما تمارسه من تدمير، وكل ذلك عن قصد ودون قصد في آن معاً …
والشعب الجزائري – نتيجة هذه الممارسة السلطوية المريضة – لم يصبح شعبا لا في وحدته ولا في قيمه ولا في خصوصيته ولا في تفاعله مع قضايا بلاده ولا حتى في حلمه الذي يؤسس لغد أفضل يقوم على المودة والتعايش بين مكوناته والعيش بعرق الحلال ضمن منظومته الاجتماعية الثقافية القادمة من جذور التاريخ والقابلة للتفاعل المنماز مع الحياة الإنسانية العالمية المعاصرة، كما تفعل كل الشعوب التي تحترم نفسها وينطبق عليها توصيف *شعب* …
والمواطن (ة) الجزائري (ة) – بسبب ما تمّ ذكره أعلاه – لم يبق له من المواطنة بمعناها المعاصر شيئا يذكر ما عدا المطالبة بالحقوق ثم الحقوق ثم الحقوق، فهو عدو للخاص والعام سواء كان ذلك مشخصا أو غير مشخص، ولا تفاعل له إلا مع الريع إن وجد إليه سبيلا … لقد أصبح عدوا للدولة وللشعب وحتى لنفسه بامتياز، وأسقط عن نفسه جهارا نهارا كل الواجبات والالتزامات، وأصبح خطرا على ذاته كما هو خطر على الذوات الأخرى من البشر وغير البشر …
وبرغم هذا كله فالعلاج ممكن كما ذكرت في أول الحديث … ممكن وسهل إذا ما استرجعنا وعينا وأدركنا خطورة وضعنا وقررنا بعزم أن ننقذ بلادنا ودولتنا وشعبنا وأنفسنا … ويكون ذلك بما يلي :
بالنسبة للدولة – كي تخرج مما هي فيه – عليها أن تلغي النظام الفاسد الذي قام على الفساد وتطور ضمن توسيع الفساد وتعميقه. ومع الإلغاء؛ تؤسس لقيام الجمهورية الجزائرية الجديدة وفق مبادئ بيان أول نوفمبر 1954 – دولة سيدة / دولة اجتماعية / دولة ديمقراطية / دولة ذات مبادئ إسلامية – التي لا يكون الاحتكام فيها إلا للشرعية الشعبية وتطبيق روح القوانين المستمدة من أرضية التوصيف النوفمبري للدولة …
وبالنسبة للشعب؛ عليه أن يعود إلى القيم التي جعلت منه شعبا واحدا عبر مساره الطويل، وهي الإخاء الديني والتعايش السلمي الاجتماعي بين مكوناته والتضامن الوطني بين فئاته وأفراده، مع تفعيل عاداته وتقاليده وخصوصيته في جميع أحوال معاشه، من غير الانجرار وراء أسراب الغوغاء العابثة ولا أشباه النخب الضارة التي عملت ما بوسعها لتمسَخ هويته وتفسخه من ذاته وتجعل منه مجرد قطيع تتحكم فيه الغرائز والانفعالات وتعطل عقله الجمعي وحكمته الموروثة أباً عن جدٍي …
وبالنسبة للمواطن (ة)؛ عليه أن يعي مجددا أن المواطنة ليست مجرد حقوق فقط وإنما هي قبل ذلك ومعه وبعده واجبات واجبات واجبات … واجبات صغرى … واجبات صغيرة … واجبات وسطى … واجبات كبيرة … واجبات كبرى … ضمن تضحيات تخرج أحيانا عن كل توصيف لغوي، بدْءً من إماطة الأذى عن الطريق ومرورا بكل ما يجعل المواطن إنسانا مسؤولا مكرّما محترما وانتهاءً بالشهادة حبّا في الوطن وقيمه كما فعل كثير من أسلافنا الشهداء رحمة الله عليهم أجمعين.
عندما يتحقق هذا تصبح الجزائر بخير وفي الخير كله.

Leave a Reply