ثقافة وفنون

قصائد الرفض والمقاومة : بقلم الأديب الفلسطيني مأمون أحمد مصطفى

إعداد: دليلة قدور

ـ الجزء الثالث والأخيرـ

وها هي قصيدته « كبرياء الحب  » توضح لنا شخصيته أمام الإغراء الأنثوي الذي يتساقط عنده أغلب الشعراء…
اسمعي يا من لقد خنت الهوى
ونسيت أو تناسيت الودادا
إن قلبا بالجوى أحرقته
سوف أذريه بعينيك رمادا
وخضوعا كان بي فيما مضى
سيصير الآن كبرا وعنادا
وإذا حن فؤادي للقا
فسأجتث من الصدر الفؤدا
واهجريني وابعدي عني فلا
ارهب الهجر ولا أخشى البعادا
وتناسي كيف شدنا عشنا
قد هدمنا ما بنى الحب وشادا
وسأنساك ولا اترك في
ذكرياتي لك ذكرا مستعادا
وتطالعك نفس النبرة الصارمة في قصيدة أخرى له بعنوان  » روحي  » حيث يقول…

دمعي الذي أذللت كفكفته
أواه كم أذللت لي من دموع
وجرح هذا القلب لملمته
وأطفئ المحرق بين الضلوع
وعقلي الهائم أرجعته
ولم أكن آمل منه الرجوع

روحي

نزعت من قلبي نبات الهوى
وتحت أقدامي لقد دسته
وخفت من قلبي ظلال الهوى
ورجعة الماضي فحطمته
إن عاد قلبي للذي مضى
أتيت بالنار وأشعلته

هذا هو عبد الرحيم محمود، لا يعرف الهوان، ولا يرضى بأي صورة من الصور كان، لأنه طبع على الشجاعة والإقدام، وعلى أن يكون سيد نفسه، لا مسودا ولو لأهوائه. وهذا مثال الرجولة والكمال، الذي يصلح لأن يقول كلاما ليس لمجرد الكلام، وإنما كل كلمة مقرونة بألوان طباعه التي تحضه على العمل في سبيل الصدق مع النفس، ليحظى بتقدير نفسه لنفسه.

والشاعر المطبوع على الصدق في احساساته، مطبوع على الصدق في طريقة وعيه للحياة. لذلك كان عبد الرحيم محمود مدركا طبيعة النظرة المنطقية للأمور، لذا كان فهمه لمشاكل الحياة والمجتمع يصور الحقيقة في كلمات نابضة تمور بالانفعالات النفسية البارزة.
فتأتي القصيدة لتهز القارئ وتجعله يعيش تلك الانفعالات، فيحترق لصداها ووقعها. وهذا أظهر ما يكون في قصيدته  » في حالة غضب ».

هل غير سبيل من دم دافق
يروي غليل الساخط الحانق
أم غير لألأ الظبا والقنا
يزيل من قلبي دجا الغاسق
كرهت ذا العالم- هل مأبق
في عالم أخر للآبق

كلمات نارية، تحمل صورة انفعال نفسي قد وصل الذروة، فضاق به الشاعر ولم يستطع تحمله، فنفثه على الورق كلمات سخط متفاعلة كي تصل إلى صدر القارئ، وتجعله يعيش حالة الغليان، فيتمنى لو كان قائلا تلك القصيدة. ولكن، هل هذا كل الذي يقال…لا

ضاقت بي الدنيا وإني بها
أضيق، يا لي من فتى ضائق
روحي عبء مثقل عاتقي
أيان ألقي العبء عن عاتقي!؟

إنها حالة الاستهتار بالحياة، رغم فتنتها وجاذبيتها، وهي حالة استنكار هذا العالم والإحساس بالغربة عنه رغم وجوده فيه. هي اللحظة التي يكون الموت فيها لدى الشاعر خيرا من حياة لا معنى لها ولا قيمة.
لأنه يرأف بروحه أن تعيش وسط عالم الزيف والدجل الذي لا تطيقه طبيعتها الأدبية، إنه التمرد، تلك الصفة الواضحة في كل لمسة من لمسات عبد الرحيم الشعرية على الأوضاع المقلوبة والشعارات الزائفة والمظاهر الهابطة، والأوضاع التي يكون الشريف فيها ضائعا بين ركام الأصنام المتحركة، تلك الأصنام التي تسرق خبز الجائع، وتصل بكذبها وخداعها إلى كل ما تشتهي، فتنشر الظلم باسم العدل، وتهدم قيم الأخلاق، وتقوض أركان الحقيقة، وتنبش مكامن الأمانة، وتحرق جوامع الصدق، فغدا العالم عالمها، تعيش فيه وفق أهوائها ونوازعها.

في مثل هذه الحالة الاجتماعية، كيف يمكن للصادق أن يعيش؟! وإن عاش، فهل غير عيشة القهر والكمد، إنها معيشة الموت خير منها، لأنها عيشة…

يحظى به الكذاب بالمشتهى
والتعس للمخلص الصادق
الخير والخبز غدا حكرة
لبعضهم، والويل للسارق
هم أوجدوا السارق من حاجة
وقيل هذي قسمة الخالق
يا منطقا لم يرو عن عاقل!
العي خير منه للناطق
قد محق العدل، فلا عادل!
أما لأهل الأرض من ماحق
متى أرى الحق وأصحابه
يعلون من أدنى إلى شاهق
وأبصر الشر وأربابه
يهوون من أعلى إلى ساحق
إنه التساؤل الطبيعي من شخص ملك الصدق فيه كل جارحة، صدقه في كفاحه للعدو، صدقه لصورة الحمال النفسية، صدقه في غزله، صدقه في حبه لإعلاء الحق وإسقاط الباطل.

وإن كان عبد الرحيم محمود قد تألق في كل قصائد الديوان، فإن له قصيدتين هما ذروة تألقه، قصيدة  » الشهيد  » وقصيدة « دعوة إلى الجهاد  » وهما في نظري أجل ما كتب الشاعر، حتى أنك لا تبدأ بالبيت الأول من قصيدة الشهيد، لتجد السامع- أي سامع كان- يفاجئك بحفظ بقية الأبيات عن ظهر قلب، حفظا غير مقصود، وإنما هو حاصل بالفطرة. وهذا أسمى دليل على قرب قلب وفكر الشاعر من قلب وفكر شعبه الذي لا يزال يقدره من خلال هذه اللمحة الفطرية. ويكفي الشاعر فخرا ومجدا أن يكون معروفا بالفطرة، لا بالقراءة المستمرة من أجل حفظ بيت يميل الناس إليه.

سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق
وإما ممات يغيظ العدى

إنه تقرير توكيدي، وأي تقرير؟! تحسه من جوانح الكلمات صادقا كل الصدق، بعيدا عن التفاخر الكاذب، والتشدق المبتذل، ومع أنه تقرير خطير يحمل معنى الفداء والتضحية، إلا أنه جاء بسيطا أمام الحقيقة الكبيرة… (فإما حياة تسر الصديق) حياة تضمن لإخوته من شعبه الحق في عيش كريم حر، الحياة التي يكون فيها سيد نفسه، كي يتسنى له أن يكون إنسانا. إنسان له حق حياة الإنسان، (وإما ممات يغيظ العدى) فلا قيمة للحياة أمام هذا المعنى السامي النبيل. لأن الموت حينئذ لن يكون موتا طبيعيا، إنما هو الموت الذي يرهب صمته قلوب الأعداء، ويجعل تلك القلوب تتلظى على نار الرهبة من مثل هذا الاستهانة بالحياة، ولكن ليس هذا كل ما في الأمر… لا…

ونفس الشريف لها غايتان
ورود المنايا ونيل المنى

وهذا البيت تلخيص كامل لفلسفة الجهاد منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، وإلى أبد الآبدين، فلم يترك الشاعر مجالا لزائد يستطيع أن يزيد على هذا البيت معنى جديدا لمعنى الجهاد. لأنه حدد في بيته تفصيلا شاملا من- النفس الشريفة- فقط- غايتها الموت-أو الحياة الحرة- لا أكثر ولا أقل، ودون أي مهاترات للاصطلاحات السائدة حول مفهوم الجهاد، وما العيش…

وما العيش؟ لا عشت إن لم أكن
مخوف الجناب حرام الحمى

وإن لم أكن كذلك، فكيف؟

إذا قلت أصغى لي العالمون
ودوى مقالي بين الورى

وهل القول يكفي؟ وماذا إذن لو واجه الشاعر الموت؟ أيفر هاربا؟

لعمرك إني أرى مصرعي
ولكن أغذ إليه الخطى

لأن الموت لن يكون عبثا، بل هو غاية الغايات…

أرى مقتلي دون حقي السليب
ودون بلادي هو المبتغى

ولأن الموت تضحية في سبيل الحق…

يلذ لأذني سماع الصليل
ويبهج نفسي مسيل الدما
وجسم تجندل فوق الهضاب
تناوشه جارحات الفلا
فمنه نصيب لطير السماء
ومنه نصيب لأسد الثرى

ولأن الدم السائل هو دم الحق وروحه…

كسا دمه الأرض بالأرجوان
وأثقل بالعطر ريح الصبا
وعفر منه بهي الجبين
ولكن عفارا يزيد البها
وبان على شفتيه ابتسام
معانيه هزء بهذي الدنا
ونام ليحلم حلم الخلود
ويهنأ فيه بأحلى الرؤى

هذا الموت، والشرف، والبقاء، والخلود، لمن؟ لكل أبي لا يحتمل الذل ولا يستمرئ الخضوع، ولكل من تهون الروح عنده من اجل إحراق العدو بلظاها وسعيرها…

لعمرك هذا ممات الرجال
ومن رام موتا شريفا فذا
فكيف اصطباري لكيد العدو
وكيف احتمالي لسوم الأذى!
أخوفا؟! وعندي تهون الحياة
وذلا؟! وإني لرب الإبا
بقلبي سأرمي وجوه العداة
فقلبي حديد وناري لظى
واحمي حياضي بحد الحسام
فيعلم قومي باني الفتى

نعم، قد علمنا، وإنك لأي فتى!
أما قصيدته  » دعوة إلى الجهاد  » فسأثبتها دون أي تعليق، لتكون للقارئ كما يريدها، فقط على القارئ أن ينتبه للبيت الأول حيث يقول للشهيد…

دعا الوطن الذبيح إلى الجهاد
فخف لفرط غبطته فؤادي

ولقد كانت فرحة قلبه في لقاء ربه حين استشهد في معركة الشجرة عام 1948م.

دعوة إلى الجهاد

دعا الوطن الذبيح إلى الجهاد
فخف لفرط غبطته فؤادي
وسابقت الرياح- ولا افتخار
أليس علي أن أفدي بلادي؟!
وقلت لمن يخاف المنايا:
أتفرق من مجابهة العوادي؟
أتقعد والحمى يرجوك عونا
وتجبن عن مصاولة الأعادي؟
فدونك خدر أمك فاقتعده
وحسبك خسة هذا التهادي
وللأوطان أجناد شداد
يكيلون الدمار لكل عادي
يلاقون الصعاب، ولا تشاكي
أشاوس في ميادين الجهاد
بني وطني! دنا يوم الضحايا
أغر على ربى ارض المعاد
وما أهل الفداء سوى شباب
أبي لا يقيم على اضطهاد
أثيروا للنضال الحق نارا
تصب على العدا في كل وادي
فليس أحط من شعب قصير
عن الجلى، وموطنه ينادي

2 Comments

  1. شكرا على المرور

  2. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالــــــــــــــثقافية والفنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply