ثقافة وفنون

قصائد الرفض والمقاومة : بقلم الأديب الفلسطيني مأمون أحمد مصطفى

ـ الجزء الثاني ـ

وهنا تظهر القدرة الفائقة للشاعر في التوغل داخل المعاني توغلا عفويا يتناسب مع مفهوم النفس التي تحيا حياة البطولة دون محاولة اكتسابها. لأن البطولة لا يصنعها الفرد، كما إنها تخرج عن اطر الصناعة الجمعية. بل موجدة داخل الإنسان كمكون أساسي وطبيعي من مكوناته وتركيبته. وللبطولة خصائص قد تبدو للإنسان العادي متناقضة متضاربة، لكن الأبطال يعرفون المعنى القائم بين ما يراه الناس من تناقض وتضارب، ويدركون الحد الفاصل بين التركيبة الخاصة بالبطولة والخارجة عنها. فالدمع الذي ينهمر من العين خوفا ورعبا، هو دمع تنأى البطولة عن الاعتراف به أو اعتباره شيئا يستحق الاهتمام أو النظر.

لكن الدمع المنهمر على شهيد كان السلاح مرافقا لكل خطوة من خطواته، والاندفاع نحو الموت هو الهدف الأسمى الذي يتوسط مركز رؤاه، هذا الدمع الذي يسترخصه الشاعر في وقت لا يكون فيه معنى لبقاء الدمع في العيون. ولأن فقدان الأبطال فجيعة لكل بيت، وليس لبيت واحد، فقد حق على القصيدة أن تجمع دموع البيوت في شكل الوطن الباكي فرحة انطلاق الروح من جسد الشهيد لتلحم بعليين حيث عرش الإله الذي يفرح بلقائها، فيأمر السماء كلها بالفرح. وهذه القصيدة تطفح بالصدق لأنها جاءت من مجاهد شاعر، وليس من شاعر يحاول أن يتصور معنى الجهاد ومعنى البطولة تصورا من خلال ما يرى ولكن دون أن يحس معنى الذي يراه، بل هي رثاء شهيد لشهيد، لذلك يمكن القول بأن هذه القصيدة ليست لازمة للقائد ذاته، وإنما هي رثاء خاص عام، القائد الشهيد صديق الشاعر ذاته شكل رمزا صلبا للحياة النابضة بحروفها.

وتشكيل الكلمات بالأسلوب الذي ورد في القصيدة يدل على عفوية كاملة للشاعر وابتعاد تلك العفوية عن الاهتمام بالحبك اللفظي، لذا جاء الصدق واضحا في حروفها أوضح من الحروف ذاتها. « أإذا أنشدت يوفيك نشيدي »، تساؤل استنكاري يهيئ القارئ للدخول في المعنى، وهذه صفة ظاهره ومتكررة في ديوان الشاعر، والأهم من ذلك كله أن القارئ لا يرى الحروف بل يعيش الشعور الذي يريده الشاعر من خلال العرق المتصبب من الكلمات…

خمدت نار لقد أضرمتها
لعدى كانوا لها بعض الوقود

إنها رؤية روحية مباشرة من القارئ للمعنى، وقفز سريع من المخيلة للصورة التي رسمها الشاعر بريشة فنه لاستخدام الحروف.

وعبد الرحيم محمود صاحب الكلمات النارية تلك، يعرف كيف يستخدم الكلمة الملتهبة في حينها، وكيف يستخدم الكلمة العذبة الرقراقة في موضع آخر. فها هو في قصيدته  » العيد  » ينتقل بنا إلى كلمة عذبة خفيفة، لتعبر عن معنى عميق بعيد الغور…

إذا رق إحساسنا في الوجود
وفاضت أحاسيسنا الشاعرة

انسياب عذب لكلمات تكاد من خفتها أن تطير لتلامس وجه السماء وتنثر على الأرض شذى عبير كوني يضيء أنفسنا بأضواء النجوم. صورة نقية تلمس بالأصابع الخمسة، فتنتعش اليد احساسات فياضة تنتقل إلى الروح، فتحولها إلى دوري يقفز فوق رواب من سعادة واستبشار…
إذا ما صهرنا قيود العبيد
بنار من القوة القاهرة

وأي دعوة للحرية أفضل صياغة من هذه الدعوة، وأي توضيح لثمن الحرية أفضل من هذا التوضيح…
إذا ما نعمنا بلقيا المنى
وقرت رغائبنا الحائرة
إذا كان هذا فثمة عيد
وتلك مظاهره الساحرة
وثمة يحسن وجه الحياة
فتصبح فتانة ناضرة
وتجمل دنيا زهدنا بها
وإلا…فموعدنا الآخرة
تسلسل منظم، يبدأ برقة الإحساس، وفيض المشاعر، ويمر بصهر قيود الأسر ولقاء الأماني، ويتوقف قليلا عند حيرة الروح، ثم يأتي القرار بعد كل المراحل، بأن الحرية وملك الذات هي العيد، وليس هناك عيد آخر دون الحرية. فإن تم هذا فوجه الحياة مشرق جميل يسرنا إشراقه وفتنته، وإلا فجمال الشهادة أحق بالمعانقة والتوحد.

وهل يقف الشاعر الشهيد أمام جمال الحرية فقط، لا، فهو يملك بجانب حسه الوطني المرهف، إحساسا مفرطا نحو الإنسان في نضاله مع الحياة. فهاهو يخط قصيدة تنطق بالظلم الاجتماعي، وتصور الحالة الاجتماعية المتداعية، وتبحث دقائق النفس الإنسانية المرائية، كل هذا من أجل حمال شاهده الشاعر ميتا على قارعة الطريق في حيفا، يمر الناس به ولا يشعرون بموته….

قد عشت في الناس غريبا وها
قد مت بين الناس موت الغريب
والناس مذ كانوا ذو قسوة
وليس للبائس فيهم نصيب

إنها حقيقة يعيشها الإنسان أينما كان على وجه الأرض، لأن الطبع الإنساني لا يسالم الفقير ولا يهادنه، لا في حياته ولا في مماته. فهو مثقل بهموم الاضطهاد وهو حي، ومثقل بهموم الإهمال في الموت.

وينتقل الشاعر ليصور بكلمات رشيقة مرض النفاق المسيطر على الإنسان….

لو كنت في حبلك شناقهم
لولولوا حزنا عليك وشقوا الجيوب
أو كنت من سلك رزاقهم
لقام عند السل ألفا خطيب
ونزهوا حبلك عن عيبه
وبللوا السل بذوب القلوب

هذا لو كنت ذا تأثير معين، حتى لو كنت تنتزع أرواحهم على أعواد المشانق، أما أنت….

لكنك الحمال- لم يطمعوا
فيك ولم يخشوا أذاك الرهيب

لذلك لا داعي لتكليف العين مشقة النظر إليك، ولو على سبيل الاستغراب والتمتع. مع أنك تفوق معظم الناس شرفا ورفعة. لأن الخبز الذي تأكله معجون بعرقك الزاكي الشاهد على عفتك وصفاء يدك….

رغيفك الطاهر غمسته من
عرق زاك ودمع صبيب
ما كنت سلابا أخا غصبة
بل كنت ذا حق سليب غصيب

ولأنك لم تكن صاحب جاه أو سلطان، ولم تملك حولا ولا قوة….
فرحت، لم يسكب عليك امرؤ
دمعا ولا قلب رقيق يلوب
ولم يودعك حبيب، وقد
يهون الصعب وداع الحبيب

إن الأبيات السابقة قد قررت حالة اجتماعية شاذة بأسلوب يملك شغاف القلوب، حتى انه يمسك بالمشاعر الإنسانية بقوة وعزم، وينزعها من مكمنها ليفليها باحثا عن معنى الإنسانية أمام هذا الحدث الذي هز الشاعر فأخرجه عن طوره، وجعله يشعر بتفاهة الحياة أمام هذا الموت الرهيب، أمام ثورة الإنسان على نفسه في صورة غيره…

إن قوافي- على قحطها-
تلقى بمرآك المجال الخصيب
برودك الهادئ قد هاجها
فجررت غضبي ذيول اللهيب
يا موقظ النقمة في أضلعي
بشعت في عيني الجمال العجيب

إنه الصدق الإنساني لدى الشاعر، هو الذي أعطى الكلمات رنتها، وذوب الفؤاد. حتى أن القارئ يستشعر القشعريرة تسري في جسده، فينتفض، إلا أن الحزن يظل ساكنا فيه لا يذهب، وكيف يمكن أن يذهب أمام كلمات تذوب أسى ولوعة، وتقطر دمعا ساخنا يصلي الأرض حين يلمسها فيرتجف التراب معلنا حزنه وسخطه في آن، على من تكون منه ونسي أصله، فتعالى عنه في صورة الحمال.
إن هذه القصيدة تثبت البعد الواعي لنظرة عبد الرحيم محمود الإنسان، النظرة التي لا يمتلكها بمثل هذه الشفافية والحساسية الشديدة إلا من كان شاعرا بحسه وطبعه، قبل أن يكون شاعرا بلغته ومفرداته. والتصوير في هذه القصيدة ينم عن قدرة فائقة على امتلاك الشاعر عنان اللغة، وتطويعها لأغراضه الشعرية وفق إرادته، وبسهولة متناهية، وعفوية ملازمة للشاعر كما قلنا، تلك العفوية التي تنقلك إلى روح الشاعر الناطقة بالمعاني والإيحاءات النفسية وليس بالمفردات والحروف.
وحين يكتب الشاعر الغزل، لا تجده مرتميا تحت أقدام محبوبته يستجديها كالشعراء المخنثين، بل تجده يطبع قصائده الغزلية بطابع شخصيته آلت تأنف أي خضوع، لأي كائن كان، فهو ثائر في وطنه، ثائر على أحوال الإنسان الاجتماعية في وطنه، ثائر على الذل، ثائر على كل ما يمس بالرجولة والكرامة.
إعداد : دليلة قدور

ـ يتبع ـ

1 Comment

  1. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالــــــــــــــثقافية والفنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply