ثقافة وفنون

الأديبة الجزائرية « سليمة ملّيزي » في حوارها للأمة العربية  » : أدب الطفل يعاني الركود وعلى وزارتي الثقافة والتربية النهوض به »

حاورتها : دليلة قدور

« ..في لحظات تعايشها مع الحرف يخط قلمها نصوصا إبداعية في شتى فنون الأدب العربي، فمن الشعر الذي تتلمسه على المستويين النسجي و التصويري في متعة لا تقاوم، إلى المسؤولية الثقيلة حد الوجع بانتقالها لأجواء القصة، و بين هذا و ذاك لا يكاد قلمها يستكين فهي ذات متمردة وتظل تبحث عن مكامن الجمال، تارة بوضع بصمتها في عالم البراءة من خلال أعذب القصص، وتارة أخرى يحركها حسها الصحفي في كتابة مقالات، فالكتابة حسبها غداء للروح و على المبدع أن يكون في مستوى مسؤولية القارئ، إنها الأديبة و الصحفية سليمة ملّيزي صاحبة العديد من النتاجات الأدبية و الفكرية.

 » الأدب هو الوجه الحقيقي للشعوب »

الأمة العربية: قيل عن الأدب أنه سلاح ذو حدين إما أن يوظف في البناء و يسهم في صناعة الفضائل لدى الأجيال و إما أن يكون أداة للتفسخ الخلقي، ماهي قراءاتك لواقع أدب الطفل في الجزائر؟

الأديبة والصحفية سليمة ملّيزي: سؤال وجيه وقيم جداً ، نعم الأدب هو السلاح الذي نحارب به أولا الجهل والتخلف ، ونحارب به أعداء الظلام ، وهو الوجه الحقيقي للشعوب ، الأدب هو من يرسخ في أذهان المجتمع قيمة الإنسان ، وكيف يصنع من وطنه وطنا ناجحا ، بتربية الأجيال ، إعادة تهيئة الإنسان أو بناء الإنسان بناءَ صحيحاً ، من خلال تحبيب العلم والمطالعة والثقافة التي تفتح المجال للحوار الجيد بين الأجيال لمواصلة الكفاح العلمي والتربوي والثقافي، أيضا الاهتمام بعلم التنمية البشرية ودراسة البرمجة اللغوية العصبية ، التي تشمل كل العلوم حتى الدين والأدب ، هذا العلم الجبار القوي الذي استطاع في ظرف قياسي جداً أن يغير أفكار الإنسان التقليدية، ويصنع منه إنساناً ناجحا لا يعرف المستحيل أبدا .. لذلك يجب أن ننتبه جيداً نحن في الجزائر لأننا تأخرنا كثيراً في فهم ما معنى النجاح في الحياة.
 » أدب الطفل يعاني الركود  »
إذا تحدثنا عن أدب الطفل فهو يعاني من ركود رهيب و قلة اهتمام و العراقيل كثيرة ومتشعبة، حيث أصبحت دور النشر تعتمد على الربح السريع والاقتباس من القصص العالمية المعروفة ولا تهتم بالإبداع المحلي، رغم أن هناك كتاب يهتمون بأدب الطفل ويكتبون القصص المستوحاة من القصص التراثية الشعبية من عمق تاريخ الجزائر المتنوع ، إلا أن إنجاز كتاب محلي يتطلب الكثير من الأموال والجهد، مع مشكل التوزيع الذي تعاني منه معظم دور النشر، حتى وزارة التربية لا تساعد الأديب ، حيث تمنع المدارس من شراء القصص خارج الإطار التربوي ، وهذه التجربة عانيت أنا منها كثيراً ، حيث أردت بيع قصصي لمدراء المدراس ، فقوبلت بالرفض ، وكلمة ممنوع أن نشتري كتب خارج الاطار التربوي، للأسف لا توجد مؤسسة حكومية تهتم بأدب الطفل وبكاتب الطفل في الجزائر، لذلك الأديب يجد نفسه معزولا ومهمشا وكل الأبواب موصدة في وجهه.

 » على الكاتب للطفل انتقاء الموضوعات التربوية »

س : تحدثت عن الصعوبات التي تواجه الكاتب للطفل، لكن بالمقابل يعاب على بعض الكُتاب افتقادهم لأسس الكتابة السليمة لهاته الشريحة، هل لنا أن نعرف المعايير التي تتقيدين بها عند الكتابة للطفل؟

ج : الكتابة للطفل هي من أصعب الفنون الإبداعية، لأنها تتطلب منا الكثير من الدقة والحكمة، فالطفل هو صفحة بيضاء، ويجب أن نحترس في اختيارنا له من مواضيع مهمة جداً تحتوي على تربية سليمة، وأفكار قيمة. كأهمية العلوم في حياتنا، الماء والهواء، والفصول، الشرّ والخير، مساعدة الضعيف، التعايش السلمي، الاندماج الاجتماعي، بناء الإنسان، الحوار بين الأولياء و أبنائهم، الدفاع عن المرأة و الطفل، الأخلاق الحميدة التي يحث عليها ديننا الإسلامي الحنيف.
والمعايير التي أختارها للطفل هي عديدة منها: اللغة السهلة، الفكرة التي تترك الطفل يستفيد من القصة، التشويق، الخيال و غيرها.

 » التعليم في الجزائر مازال بعيدا عن الركب العالمي »

س : هل توافقيني إن قلت إن القدرات المطلوب تنميتها لدى الأطفال لابد أن تشكل من جديد في الأدب الموجه لهم خاصة فيما تعلق بتمكينهم من الاستغلال الإيجابي للتكنولوجيات الحديثة؟

أعتقد أن من يمكنه أن يغير المنهاج التربوي هي وزارة التربية، إذ عليها أن تطرح أسلوب التعليم الذكي والعلمي على الطفل، بدلا من الأسلوب التقليدي المتعب والمكتظ بالدروس الذي يثقل كاهل وتفكير الطفل، أرى أن التعليم في الجزائر مازال بعيداً ومتخلفاً عن الركب العالمي.

 » ترسيخ المطالعة مسؤولية الجميع »

س : بين الأمس واليوم معطيات كثيرة تغيرت ولعل التفتح التكنولوجي هو سمة الجيل الجديد، في رأيك ماهي الأساليب الناجعة حتى نجعل الطفل ينجذب للأدب المنشور ورقيا في الظروف الطبيعية والصعبة؟

ج : صحيح التفتح على التكنولوجيات الحديثة وشبكة التواصل الاجتماعي قرب العالم بشكل رهيب وسهل البحث عن المعلومات، إلا أننا يمكننا أن نخلق للطفل جو للمطالعة، وترسيخ حب الكتاب في ذهنه، حتى يصبح جزءٌ من حياته اليومية كالرياضة واللعب ، والأكل والشرب ، فقط قضية تعوّد على المطالعة ، والحل في يدي الأولياء ، لأن الطفل في البداية يقلد كل ما يقومان به الأولياء ، كل فرد من العائلة يهيئ حيز صغير في البيت في مكتبة صغيرة ، ويحدد يوم للمطالعة ، حتى يتعود الطفل على المطالعة ويصبح الكتاب جزء من حياته كأي لعبة أخرى، لماذا مثلا في الدول الأوربية لا يزال الكتاب مهم جداً في حياتهم ، وتجدينهم يطالعون الكتب في الحافلة، القطار، المترو، الحدائق ، هذا المنظر يزرع حب الكتاب لدى الأطفال، وهناك أيضا مهمة المنظومة التربوية أن تعيد فقرة المطالعة كل أسبوع في المدرسة ، كما كنا زمان ولما يعود الطفل إلى البيت، يلخص الكتاب في سطور هذه الطريقة تتركه يحب مطالعة الكتب.

 » شبكة التواصل الاجتماعي طورت مواهب البعض خلال الحجر الصحي »

س : شكل تفشي فيروس كورونا ضغوطا نفسية على الناس جميعا بما فيهم الأطفال، وللأدب العلاجي كما هو معلوم دور في تحويل الأزمة إلى فرصة لتطوير المواهب، هل نملك أدبا علاجيا يعزز الثقة بالنفس ويشعر الأطفال بالطمأنينة وعدم الخوف؟

ج: فعلا جائحة كورونا أو كوفيد 19 ، التي احتلت العالم بدون إنذار وزرعت الهلع والرعب بانتشار هذا الوباء الخطير بشكل سريع ومخيف ، حتى أنه أذهل العلماء والحكام ، وتركهم في حيرة من أمرهم ، وترك الإنسان يعيش في حجر إجباري في بيته ، ويفرض عليه العديد من العوامل النفسية التي أثرت عليه ، خاصة بالنسبة للأطفال الذين وجدوا أنفسهم بين جدران المنزل ، فأكيد هذا خلق حالات نفسية وضغوطات جد صعبة ، مدة أربعة أشهر أو أكثر ، ناهيك عن الهلع والخوف الذي عشناها بسبب هذا الوباء ، وهناك من فقد عزيزا عليه ، وترك شرخا عميقا في نفوس المرضى ، أهمية الأدب في هذه المرحلة مهم جدا ، أعتقد أن الجهة التي فعلا لعبت دورا كبيرا في تحويل الأزمة إلى فرصة لتطوير المواهب هي شبكة التواصل الاجتماعي التي استطاعت أن توفر اللقاء بين الطلبة وأساتذتهم وخاصة أساتذة علم النفس ، كما حدث في أوروبا وبعض الدول المتطورة الحياة الدراسية لم تتوقف، والطلبة درسوا عن بعد من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، وأكملوا دراستهم.
ولو أن البعض لا علاقة لهم بالأدب، لذلك أقول هنا أن كل وسائل الاعلام لها دور كبير في توعية الناس، وأعتقد أن هناك بعض القنوات لعبت دوراً ولو بسيطا في توعية المجتمع، خاصة النشاطات الثقافية الافتراضية التي قدمتها بعض الجمعيات ودور الثقافة في بعض الولايات …
حتى ولو وجد الأدب العلاجي، فإننا للأسف لا نحسن استعماله أو التعامل معه؟

 » تدوين تأثيرات كورونا عبء ثقيل على الأدباء »

س: ولأنك من الرائدات في مجال أدب الطفل، ما الذي قدمه قلم الأديبة سليمة خلال جائحة كورونا؟

ج: جائحة كورونا فرضت علينا أن نتماشى مع معطياتها الأليمة والمحيرة ، حيث كنا نتابع الأخبار عن العالم وما خلفه وباء كورونا من دمار ورعب وموت في نفسية الإنسان عبر العالم ، وأنا من بين الصحفيات والأديبات اللواتي تأثرن كثيراً وبعمق بهذه الجائحة المؤلمة ، حيث كتبتُ الكثير من المقالات الأدبية والفكرية وأيضا تطرقتُ إلى ما تركته من تأثير حتى مع بعض الفنانين التشكيليين الذين رسخوا حالاته من خلال لوحات تنبأت بالوضع الكارثي الذي تركته جائحة كورونا في هذا العصر.
وأعتقد أن العبء جد ثقيل علينا كأدباء أن نرسخ هذه الحقبة المؤلمة، من خلال الإبداع في شتى المجالات، حتى نترك للتاريخ حقائق ما حدث للإنسانية، من ألم وفزع ورعب ودمار لنفسية الإنسان من وباء كورونا اللعين الذي لقبته بهذا اللقب بكل ألم ؟

« سأعيد طبع قصص الطفل قريبا  »

س: للطفل الذي يريد أن يقرأ لك ، أين يجد كتبك؟
ج: أعدتُ طباعة مجموعة من القصص سنة 2016 ، لكنها نفذت من المكتبات ، ممكن تكون موجودة في المكتبات للمطالعة العمومية عبر بعض الولايات ، كولايات تيبازة، تيزي وزو، العاصمة و بسكرة، مدينة العلمة، وأيضا في بعض المدراس الابتدائية، إن شاء الله سأطبع بعض العناوين عن قريب.

« حلمي أن يحتل أدب الطفل المكانة المرموقة « 

س: ماهو طموح أديبتنا في عالم الكتابة للصغار؟
ج: طموحي أن يصبح أدب الطفل في مكانة عالية تواكب الأدب العالمي، فمنذ أكثر من 35 سنة لما أسست أول مجلة للأطفال سنة 1984 و الحلم يراودني وكل مرة أجتهد من أجل أن تكون مكانة أدب الطفل مرموقة ولها حضور وحقوق في الساحة الأدبية ، وخاصة على مستوى وزارتي الثقافة والتربية، للأسف كما أخبرتك من قبل أدب الطفل أو الكتاب الموجه للطفل أصبح يستغل تجارياً أكثر منه أدبياً وتربوياً ، لذلك أتمنى أن تنشأ وزارة الثقافة توأمة مع وزارة التربية، منتدى مستقل بدمج أدباء وأستاذة في التربية وعلم النفس واللغة من أجل النهوض بأدب الطفل في الجزائر، حتى يفتحون المجال للطبع للشباب المهتم بأدب الطفل، وتدعيم الكتاب وأيضاً لما لا إنشاء قناة خاصة بالتربية والثقافة مخصصة للأطفال، مثل كل بقية الدولة العربية على الأقل، بدل ما هناك قنوات تنسخ بعضها ولا تقدم الكثير للتربية والثقافة.

2 Comments

  1. شكرا على المجهودات المبذولة لايصال المعلومة

  2. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالــــــــــــــثقافية والفنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply