ثقافة وفنون

الأديب الفلسطيني مأمون أحمد مصطفى

جدارية

الجزء الثاني

بعد لحظات قليلة، انتزعت يداي من القماط، وبرفس متتالي وسريع، أزحت متبقياته عن جسدي، وبعصبية وثورة تتشابه مع ثورة أذار أمسكت بعقدة الجذر السري وفككتها، فسالت الدماء بروعة وهدوء وصمت، حتى أن الطقس ذاته شارك في ملحمة الصمت المتآمرة على الوجود، سكن آذار، سكون المقابر، والدم يتدفق، يشكل جدولا صغيرا ناعم الملمس، وفجأة، خرجت أمي من حالة النصب والتعب، أرادت أن تشمني، تضمني، صرخت صرخة دوت في نواة آذار، ارتج الشهر بكل مكوناته، فزمجر وأرعد وازبد، وسالت من السماء مياه، وعاد الغضب الموصول بالغضب إلى أصله، أم هاشم طوت الأرض طيا، وهي تهمهم بأدعية، وحين حطت رحالها على أعتاب الجدول، شهقت وزفرت، تعوذت وبسملت، وبركت كما النوق وأمسكت بالجذر السري، عقدته من جديد، بخبرة وإحكام وحكمة.

وقفت بين زمنين، عالمين، زمن وعالم الكون المتسع الذي خرجت منه، وبين زمن وعالم رفضته فور خروجي منه، وما بين هذا وذاك ظللت معلقا إلى يومنا هذا. فلا أنا مما أردت البقاء منتهي، ولا مما رفضت أستطيع أن أمارس خياري واختياري. فهل أنا معلق أو عالق؟ أم أنا من ذاك أو هذا؟ وأيهما كان سيكون الأفضل؟ أنا الآن اختبرت بالوعي، بالمعرفة، بالإحساس، العالم الذي خرجت إليه، وحين قلت بأنه أضيق من الضيق فإنني لم أشذ بوصف أو انحرف عن تعريف، وحين وصفت عوالم الرحم بالسعة التي لا يمكن الوصول إلى حدودها وأطرافها، فإنني لم أدع شيئا لا يمكن التثبت منه والتيقن.

لكنني ما زلت بين كل ذلك لا أعرف خطواتي كيف تخطو، ولا أدري عن أقدامي كيف تتقدم، ولا أستطيع تفسير أحلامي التي تتناوش مسيرات أيام وشهور، كل الأشياء تتجمع في حوصلتي، تتنامى، تبني طبقات فوق طبقات، تقرر اليوم أمرا غير الذي قررته البارحة، وربما تقرر غدا شيئا لم تقرره من قبل، يقال: بأن التاريخ لا يعيد نفسه، ولا يمكن أن يفعل ذلك، لهذا توصف مسيرته باللولبية، قد تتشابه أحيانا، لكنها لا تلتقي، وللولب في ذاتي تأثير قاتل، لأنه يصل تركيبته، بالالتواء، الذي يحجب الرؤيا، فيحدث في النفوس لهاث التوقع والتحسب المتصل بالمجهول المتخفي بالتواصل مع غيب ينتظر الكشف والاكتشاف.

 يقال: المجهول مني منك، ومن كل من له لسان ينطق عن فكر ومعرفة، أو حتى عن عادة وغباء والتباس بين هذا وذاك، لكن، ما هو المجهول؟ لماذا نتحاشاه ونرهبه ونقحمه في مشاعر تترجرج فوق تمخض الزلزلة ودخان الترقب؟ ولماذا حين نقرر الولوج الى أعماقه نلجأ إلى الإعداد النفسي والروحي أكثر من لجوئنا إلى الإعداد المادي والتقني؟

المجهول يحيط بي من كل جانب، اليوم وبالأمس، غدا وما بعد الغد، السنة الفائتة، والسنة القادمة، الماضي والحاضر والمستقبل.

الماضي، أعرف أن أكثر القراء سينكر تغليف المجهول للجزء الأكبر من الماضي الذي مررت به، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، إنني حين ولدت كنت في تلك اللحظة جزء من الحاضر، وتوالى الحاضر بتوالي اللحظات التي مررت بها حتى وصلت إلى اللحظة التي أكتب فيها الحروف هذه، والتي أظن كما يظن الكثير من الخلق، بأنها لحظة حاضر مدرك مسيطر على تفاعلاته وأحاسيسه وتنظيمات العيش فيه، هل هذا صحيح؟

  يوم ولدت وقررت فك رباط الجذر السري، كنت أنا ككائن هناك، كيف قررت ذلك بدون وعي أو بوعي؟ لا أعلم؟ حتى أنني لو أصل إلى لسان أمي التي وصفت تلك اللحظات عن القرار المتخذ، وعن أم هاشم رحمها الله، وعن الدماء، وعن سكون آذار وصمته، وعودة انفجاره مرة واحدة، لماذا وصلت هذه الأحداث من الماضي الذي يخصني إلي، ولماذا وصل إليكم، وهذا لا يعني بأن الأحداث التي رافقت الحدث قد نقلت بأكملها، فأمي رحمها الله نسيت الكثير الكثير من تلك اللحظة، وكذلك أم هاشم، وكل من كان وحدث وتحدث في الأمر، ولو سلكت سبيل البحث الآن عن أشياء أدركتها باللمس والإحساس وبالتجربة وحاولت أن أوصلها إلى ذاتي مدعيا الكمال لها والاكتمال، لتجاوزت حتى حدود القبول لدى عقل دودة.

ألست أنا ذاتي الذي أنظر إلى صورة أخذت لي وأنا في الطفولة فأفاجأ وكأنني منتزع من شخص إلى شخص آخر؟ أو لست أنا من أحاول استرجاع صور ومفردات ولحظات ومعارك وخسائر وانتصارات وهزائم مررت بها فأشعر بعجز يمسك العقل والذاكرة ويخضها حتى يسيطر الألم على كل منابت جسدي ونفسي؟ حتى معركة الدبابير التي خضتها وأترابي في الطفولة أصبحت موزعة بين ما فقدت وما تبقى منها، كل الماضي الذي أحاول أحيانا استنهاضه ليرشدني إلى ذاتي وحاضري يحاصرني محاصرة مجهول يتلاقح من مجهول.

حاضري الذي أنا فيه، يوزعني بين قرارات وخطوات أود أن أمارسها، فأنتقي هذه كأول وتلك كتابع وهكذا، وحين أحاول التنفيذ أجدني أنفذ التابع واللاحق، أو توابع ولواحق أخرى، فينزلق الأول بسرعة من حالة الحاضر إلى الماضي، وهكذا.

وما بين الماضي والحاضر، أقف معرى أمام المستقبل، كذات اليوم الذي نزلت فيه من الرحم عاريا إلا من صراخ ورهبة وصدمة، أنتظر انتقال المستقبل بثبات الجبن وعزيمة الخور أن يدخل الحاضر وينزلق نحو الماضي، فأوزع ذاتي بنهم جشع بين الماضي والحاضر والمستقبل، لأعود من جديد للتحديق المشلول بالمستقبل.

المجهول والغيب يحيطان بي من كل الجهات، ربما لا أقبل أن تسمى وصفا باللولبية، إلا من أجل استيعاب فكرة القبول بهما كوصف أود أن أتخيله وأرسمه من أجل إرضاء الذات والركون إلى الاستسلام والهزيمة التي لا فكاك منها أمام المجهول والغيب.

المجهول، الغيب، المستغلق، الظلام، الدوران في الصحاري، الدوران في أرض الثلوج، كلها حركات دائرية، تفضي إلى حيث البداية، وها نحن نعود إلى بداية أخرى في الكتابة والحلم والتوق.

حسرات غير موروثة

 لو سئلت يوما؟

 وقد سئلت:

لو عاد الزمن بك إلى نقطة تفتح الوعي والإدراك والاختيار؟ ما الذي ستغيره في مجرى حياتك؟ وما الذي مارسته ولن تعود إلى ممارسته؟

كان السؤال سؤال الروح للروح، والنفس للنفس، والذات للذات، والعقل للعقل. وكان أيضا سؤال أحباب وأعداء وما بين ذلك من متفرقات.

عسير هذا السؤال، أشد عسرا من العسر الذي يستدعي عسرا خلف عسر ليكبر وينمو ويصبح هو المكون لكل ما يتصل بالسؤال، لكنه رغم ذلك يستحق أن يحترم بعسره، وأن يوضع كدرة ودانة في مربع الروح والعقل والنفس والذات.

آه، ممتدة على مساحة العسر، آه غليظة معبأة بآهات مساحة العمر المبسوط على اثنين وخمسين عاما وقليل من الأشهر، آه منقوعة إلى حد التعتيق المعتق بالزمن الذي لا يدخل في حسابات الأرقام بين ثوان وساعات وأزمان ودهور، بل يتشتت بين الذرات التي لا ترى حتى يحتفظ بغموضه ومجهولة.

جواب الذات للنفس، والروح للعقل، لو، ووضع تحت لو مليون خط يتنامى إلى ملايين لا تنتهي، بانزياح كامل عن الصفر المطلق، وبهدوء عاصفة تستجمع قواها منذ ميل الأكوان لتنفجر في لحظة مفتتة الرواسي ومسيرة الجبال، بكل هذا الهدوء المشحون بتوتر غليان لا يتبخر

أقول:

أمران لا يمكن أن يكونا بين حسابات إرادتي ووعيي، ولا حتى في حسابات أحلامي وأوهامي، وقد أبالغ لأقول ليسا مما يمكن على خاطري وبالي، أمران هما:

الزواج، وإمساك صفحة كتاب.

والدي ووالدتي رحمهما الله رحمة لاتحد ولا تؤطر ولا توصف أو تنال إلا برحمة مغدقة من رب كريم جواد، أحباني حبا ليس من العدل وصفه او محاولة وصفه، لأن الذي لا يوصف تقلل المفردات من قيمته وهيبته ووقاره، وإن كنت سأحاول الاقتران بوصف، فإنني أعترف بأن هذا الاقتران إنما لنقل الفكرة عما أريد أطرح توضيحا وتبيانا، وليس لإقرار وصف لا يقر ولا يمكن رسمه، حتى يبقى الوقار ملفعا بالهيبة التي أعرفها وأحفظها عن حبهم لي.      ـ يتبع ـ

إعداد: دليلة قدور

3 Comments

  1. شكرا على المرور

  2. شكرا لمساهمتكم في نقل المعلومة وخاصة في جانبها الثقافي والفني

Leave a Reply