ثقافة وفنون

الأديب الفلسطيني مأمون أحمد مصطفى

جدارية
ـ الجزء الأول ـ
حدثني والدي قال:
بني
حدثتني والدتي قالت:
بني
تيمنا باليمين، والتصاقا ببركة الوتر، بساعدي وساعده، بساعدها وساعدي الأيمن، أمسكنا جذرك، غطسناه بما جعل كل شيء حي، في حفرة صغيرة تحت زيتونة بجانبها تينة، وعلى يمينها لِّينَة لًيِنَة ورمانة تحتضن جلنارها، بخجل يكاد يقفز إلى طلح منضود في زاوية، وفي المقابل، حياء يتفيأ في ظل غابة من سدر مخضود، وحين كنا نرسي الجذر برفق الأمومة والأبوة، كنا نقرب الروح، نضغطها، ونستدعي المضغة التي بها يصلح الجسد كله، ومن الروح كنا نرسل الوجيب، ومن المضغة نُنَسِم الخفق وكأنه يمامة تخفق بحبور الى النور.
وطمرنا الجذر، بماء العيون، وشهقات السعادة، إمعانا بتزويده بما يعمقه بالثبات والاستقرار، ودحينا النور المعجون بالنور، ورصصناه دائرة تحيط بالجذر من الأسفل إلى الأعلى، حفظا لما ستتولى الأيام من صروف وتغيرات ومقادير.
وحين شعرنا، بقوة الحفيف وتركيزه، بتراقص العَذَبات والسويقات والبراعم والأوراق، نهضنا، وبريق الرجاء مركز نحو النواة المكونة لكل ما زرعنا وأملنا أن يصير. لم نخلع جلدا من جلودنا إلا من أجل أن نخيطه اهابا يقيك ويبعد عنك دنو ما لا يتوافق مع جلد الأباء والأمهات، زرعناك، كما تزرع الزيتونة فسيلة نابتة من جذرها المتأصل في الأرض منذ أعوام قد تمتد الى ألف عام أو يزيد، أرسينا جذورك، بذات الطريقة التي ترسي النخلة فسيلتها المولودة من ذاتها بعمق في الأراضي التي يشح فيها أصل الحياة لتصل الى منتهى النبع المتخفي بأعماق الأعماق.
قلنا، هذا ولدنا وقرة أعيننا، فيه منا الكثير، فهذه الشُعَيْرة المنبثقة من الجذر، تتشابه مع الشُعَيْرة التي رأيناها في شجر البلوط والكينا، وهي ذات الشعيرة التي كانت تتبدى لنا ونحن نغسل أنفسنا بضياء القمر وشعاع الشمس في نفس الآن وذات اللحظة، وتلك العقدة المنبثقة من مناطق الجذر، هي ذات العقدة التي رأيناها في جذور العنب وقصب السكر والبرتقال والليمون، وهي ذات العقدة التي كانت تتبدى يوم كنا نقف تحت وابل المطر وانهمار الرياح لنغسل ذاتنا بما يصل اليك ويتصل بك.
التشابه بيننا وبينك، بينك وبيننا، كان حاضرا في صراخ الولادة، ولون الدم، في النهوض من السبات، والدخول في الوسن، في اليقظة، والولوج في الصحو، في صياح الديكة، وقأقأة الدجاج، في هديل الحمام ونعيب البوم، في سرعة النسر وبطء السلحفاة، حتى أننا تشابهنا بحسيس النار وهسيس البراكين، لم نر في الوجود شيئا يختلف عنا وعنك، فهذه الصخرة وتلك التلة، هذه الربوة وتلك الأجمة، كلها كانت تستدعي ملامحك في ملامحنا، حتى قيل لنا، من صوت نقي مجهول، بأن حرارة حبات العرق المنسلة من المسامات بروية وسكينة، هي التي تهاتف الحاضر الذي نراه قادم من المستقبل ليكتب صفحات عنك وعنا، في زمن عزت الكتابة فيها عن الجذور التي أرسيت انتظارا لثمار لا يؤجل قطافها، ولا يستعجل أو يستدعى أو يكون منوطا بلحظة غير لحظة الالتصاق بالجذر الممتد سيقانا وأفرع ليكون جدارا يتخلله الماء والنور والشمس والحياة والفصول والليل والنهار، ليتناسل طلعا وزهرا ورحيقا يأخذ من الجدار صفحة يخط فوقها أحرف تسمى بقدرة واقتدار جدارية، جدارية تحمل أنفاس ثمرة اسمها مأمون أحمد مصطفى.
ولادة
يد القابلة
في الثلاثين من أذار عام الف وتسعمائة وواحد وستين، كانت الدنيا تعلن غضبا عارما، قويا، مدويا، يُقَطع أوصاله قصف الرعود، وتشعل ناره خيطان برق تكاد تكون صواعق مدمرة، فتشعر بأن الأرض ترج من قاعها إلى قمتها، وكأن مجموعة من زلازل متسلسلة تستعد لتشققها من الوريد الى الوريد، ومن الشرق الى الغرب فالشمال والجنوب، تتراءى من بعيد قمم الجبال وكأنها تترنح تحت وقع قوة رياح تجتاحها، ظلمة تتكدس فوق ظلمة، وبرد يكاد يمزق العظام والفولاذ، كل شيء حي ساكن راكد متكوم على نفسه، ينتظر برهبة مجللة برعب انتهاء أذار « أبو الزلازل والأمطار »، انتظار لبؤة أضناها السغب وهدها التيقظ والانتظار، كان ذلك قبل اليوم الأخير من الشهر، وكأنه يعرف أن انتهاء قدرته ووقته وزمنه وتأثيره سينتهي بعد ساعات، فجمع واستجمع كل طاقته وغضبه وثأره ليرسم صورة لا تنسى.
وسط كل هذا، ارتفع صراخ بكاء وليد انتشل من رحم متسع إلى ما لانهاية، ليوضع في كون ضيق إلى حد أن كلمة الضيق وحروفها أكبر مساحة منه، عاريا خرج، ملطخا بدماء وماء، وبسوائل كان يتقن بجدارة متناهية فن العوم فيها، في بطنه تماما جذر فيه شعيرات وعقد، يتصل بخفايا العالم اللامحدود الذي خرج منه، يسميه الناس الحبل السري، واسميه تيمنا بالجذر المغروس والمغطس بأصل الحياة، الجذر السري، كان لقاء الجذر مع العالم ممزوجا منذ الوهلة الأولى بصراخ حاد ممتد وسط ضجيج شهر أذار، وبلفح التمرد والغضب والخروج عن المألوف، تعالى الصراخ، وقبل خروج القدمين، أراحت القابلة أم هاشم رحمها الله راحتيها واستقبلت الجسد قبل أن يلامس الأرض، صراخ الجذر الذي تحول إلى ثمرة مكتملة تتصل بالجذر، اختلط بصراخ الألم الممزق لطاقة الأم وقدرتها، وتمازج مع تعبها ودخولها عتبة الموت مع كل صرخة وأنة.
الآن، الطفل كله في مواجهة الأكوان كلها، على يدي القابلة، وبسرعة يتجاور فيها الذكاء مع الخبرة والمعهود، أرسيت على الأرض، على شيء لمس جسدي من الكون بعد يدي القابلة، مما يعني أن الوجود كله بما نعرف وندرك، وما لا نعرف أو ندرك، كان قبل ملامسة الأرض هو راحتي القابلة، ونودي على المقص، فجاء يسعى على تلهف وعجل، وقبل أن تدور الأرض دورة النضوج، كان الجذر السري قد فصل عن العالم الذي لا يمكن العودة إليه من جديد، وعقد عقدة، لم تشأ المقادير أن ترسمها بقوة، لسبب كنت أعرفه قبل الخروج من المحيط الذي أتقنت فيه فن العوم كما لم يتقنه مخلوق من قبل.
غسلت بالماء والصابون، ودفنت في الملح، إلا وجهي، يقال: بأن الطفل المملح يختلف اختلافا كبيرا عن غير المملح، فهذا، يشتد جلده، وتقتل كل المخلوقات التي لا ترى والتي دبقت والتصقت بالجسد فور انزلاقه من الرحم إلى الكون الضيق، وهي أيضا تمنح العظام صلابة ومتانة، وما هي إلا دقائق قليلة حتى غسلت بالماء والصابون مرة أخرى، وطيبت بطيب المسك والعنبر، ولففت بقماط أشعرني بغضب متفجر ففوق ضيق الأكوان ضيق آخر، بكيت بكاء كاد يمزقني، أم هاشم قابلتي استغربت وأصيبت بالدهشة من شدة البكاء وحرقته، فأعلنت خوفها وفزعها مني وعلي، لم تكن تعلم ما يعتمل في صدري من خوف وضيق وصدمة، فغادرت بعد أن قرأت وهي تمسد رأسي فاتحة الكتاب والمعوذات، سكنت قليلا وفي خاطري خاطر ينمو ويتمدد ويكبر. ـ يتبع ـ

إعداد: دليلة قدور

2 Comments

  1. شكرا على المرور

  2. شكرا لمساهمتكم في نقل المعلومة وخاصة في جانبها الثقافي والفني

Leave a Reply