ثقافة وفنون

ما بين الحرية والتعليم والتقدم والمرض : بقلم بهجت العبيدي .. كاتب ومفكر مصري مقيم بالنمسا

ليس من شك أن الدول والجماعات « الحية » تسعى سعيا حثيثا للحفاظ على صحة أبنائهم، وتعمل بكل قوة وجهد على وضع نفسها في قلب العالم المعاصر، من خلال تهيئة البيئة الصحية الدافعة للتطور والتقدم، وتسن القوانين التي من شأنها الحفاظ على الإنسان الفرد، ورعاية عموم الأبناء، وتلك الدول والجماعات تفعل ذلك عن دراسة واعية وعلم بحقائق الأمور.

إن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة، ولذلك لم يكن هناك نظام في العالم، مهما ادعى من حرية، قد ترك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة هكذا دون قيود، تلك التي تحد من سلوك الفرد والجماعات، فسُنّتْ القوانين التي تنظم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض من ناحية، وتحدد الواجبات التي على الفرد للمجتمع، والحقوق التي للمواطنين على الدولة، وينظر في ذلك إلى المصالح العامة والخاصة على السواء، ليضمن المجتمع دفعا للأمام وسعيا للتقدم.

يتباهى النمساويون، الاستشهاد هنا بحكم إقامتي بالنمسا، كثيرا بكون بلدهم بلدا ديمقراطيا، ولعل تلك الجملة التي يمكن أن تُصْدَم بها وأنت تتناقش مع أحد النمساويين، هي: أنت تعيش في بلد حر، والتي يعقبها بجملة أخرى هي: النمسا دولة ديمقراطية، والصدمة هنا مما توجيه الجملة، في أننا جئنا من بلاد ليست حرة، ولا تتمتع بالديمقراطية، والصدمة التي أعنيها أن ذلك النمساوي يضع كل دول العالم الثالث في سلة واحدة في هذا النفي للحرية والديمقراطية.

وبكل تأكيد هذه الصورة راجعة لما تبثه وسائل الإعلام التي تتعامل كثيرا مع ما يمكن أن يطلق عليها بلاد الجنوب المتوسطي بإجحاف شديد، حيث لا تبرز وسائل الإعلام تلك صورةً فيها إنصاف لما هو كائن في بلاد العالم الثالث على وجه العموم، والعالم العربي على وجه الخصوص، ومن هنا يترسخ في عقول أبناء النمسا وأوروبا أننا جئنا من عالم آخر أقرب إلى عالم العصور الوسطى في أوروبا.

وإن كانت تلك الصورة، كما قلنا، فيها بعض الجور، فإنها على الجانب الآخر بها بعض الحقيقة، حيث إن بلادنا تخطو بخطىً متثاقلة في طريق الديمقراطية الشاملة، والتي تحتاج إلى إنسانٍ قد حظىَ بتعليم جيد، غُرِسَ في أعماقه احترام القوانين مرة، واحترام حرية الآخرين مرة أخرى، هذا الذي لن يتأتى إلا من خلال وعي عام، يجب أن تشارك في تأسيسه وصنعه مؤسسات الدولة المعنية بهذا الشأن، والتي على رأسها وزارات التعليم والثقافة والإعلام، إضافة لدور المؤسسات الدينية التي يجب أن تعمل على غرس قيمة مفهوم احترام القانون بنفس حرصها على ترسيخ فكرة الحلال والحرام، حتى لا ندور في حلقة مفرغة، بين ما تعمل على تعميمه المؤسسات المدنية، والذي يمكن أن يذهب أدراج الرياح بفتوى « شيخ »! لا يحترم القوانين « الوضعية » كما يحلو لبعضهم القول وبين تلك المؤسسات الدينية.

في النمسا بلد الحريات، صدر قرار منذ عدة سنوات بمنع التدخين في الأماكن المغلقة، وتشجيعا من الدولة على ذلك منحت المقاهي والمطاعم التي كان يسمح فيها بالتدخين، بعض المزايا لتطبيق هذا القانون، وحرمت على الجانب الآخر من لا يطبق هذا القرار من بعض المزايا، واحتراما لما تصبو إليه الدولة من الحفاظ على الصحة العامة لأبنائها، استجابت أغلب المحلات الخاصة لذلك، وإن ظل القليل منها يسمح بالتدخين في كل المحل، أو خصص مكانا صغيرا لذلك. ذلك قبل منعه في جميع المحلات العام الماضي.

ولأن الدولة مصممة على الحفاظ على الصحة العامة لأبنائها، فقررت قرارا قاطعا بتعميم منع التدخين في جميع المحال، والتي ستلتزم به جميع الأماكن في النمسا، ومن نافلة القول التذكير بأن النمسا كانت من بين أوائل الدول التي منعت التدخين في كل المصالح الحكومية والشركات الخاصة، فضلا عن المواصلات العامة.

ولم نسمع هنا من يعارض تلك القرارات التي فيها صالح المجتمع النمساوي بذريعة أن هذا يتعارض مع ما يمكن أن يطلق عليه الحريات العامة أو الشخصية، تلك الكلمة التي اُبْتُذِلَتْ في ثقافتنا العربية ابتذالا هائلا، ولم نجد المؤسسات المعنية بالثقافة، ولا الحريات ولا الصحة وقد شذَّ أحدها معارضا مثل هكذا قرار، بترديد شعارات رنانة، يمكن أن يطلق عليها حقا يراد به باطل، متخذين من لفظة الحرية والديمقراطية معول هدمٍ للمجتمع، على نقيض حقيقتها والتي هي صنع مجتمع قادر على التقدم والرقي، والذي لن يتسنى له ذلك ومعظم أبنائه يعانون أمراضا، يكون للتدخين، والسلبي منه على وجه الخصوص، أكبر الأثر في تدهور صحة أبنائه.

3 Comments

  1. شكرا على المرور

  2. شكرا لمساهمتكم في نقل المعلومة وخاصة في جانبها الثقافي والفني

Leave a Reply