إقتصاد

هيروشيما اقتصادية في بيروت : قمح محترق يحيي ذكرى المجاعة في لبنان

في بلد يعاني أصلا من أزمة خبز بسبب نقص الدولار وضعف القدرة على استيراد القمح من الخارج، جاءت كارثة انفجار ميناء بيروت الذي يحوي جزءا كبيرا من احتياطيات الحبوب لتنذر بمأساة.. المجاعة تعود من كتب التاريخ إلى الواقع مجددا.
ولبنان الذي واجه مجاعة كبرى قبل أكثر من 100 عام إبان نهاية الحرب العالمية الأولى، يواجه حاليا خطر عودة المجاعة بصورة أبشع بعد أن فقد جل قمحه في كارثة المرفأ.
وزير الاقتصاد اللبناني راؤول نعمة، قال لوسائل إعلام محلية إنه لا يمكن استخدام القمح الموجود في الصوامع بميناء بيروت، مضيفا أن بلاده « ستستورد قمحا » ولم يكشف عن الآلية أو من أين ستدبر البلاد دولارا يغطي هذه الاحتياجات في ظل الأزمة الاقتصادية المستفحلة.

مجاعة؟

فقد لبنان نحو نصف مخزون القمح إثر انفجار مرفأ بيروت، كما تقول رويترز، ورغم أن وزير الاقتصاد يقول إن بلاده تملك ما يكفيها من القمح حاليا، إلا أن الخطر يبدو واضحا.
المستودع المحترق بالعنبر رقم 12 كان بالقرب من صوامع القمح، ويبدو أنه حتى القمح الباقي لن يكون صالحا للاستخدام نظرا لأن الانفجار ناتج عن احتراق مواد كيمائية.
فقدت بيروت قمحها إذا، وهذا في بلد يستورد سنويا 80% من احتياجاته للقمح، لذا لابد أن تلوح في الأفق أزمة خبز أكثر تعقيدا من تلك الموجودة حاليا.
ما يزيد من صعوبة الموقف، أن روسيا وأوكرانيا علقتا تصدير القمح في أبريل الماضي، وهما أكثر دولتين تعتمد عليهما لبنان.
قبل الانفجار، كان سعر كيس الخبز قد زاد نتيجة الأزمة الاقتصادية ليتراوح بين 1500 إلى 2000 ليرة، وهو مستوى رغم ارتفاعه يبدو أنه سيكون « ماض جيد ».

صدمة المرفأ
مرفأ بيروت يتسم بأهمية استراتيجية كبيرة كونه مستقبلا ومخزنا لأهم السلع الاستراتيجية التي تستوردها الحكومة مثل القمح والوقود، كما تتم نحو 70% من حركة التبادل التجاري بين لبنان ودول العالم عبر الميناء.
ويخصص الرصيف رقم 8 بالميناء والذي يبلغ طوله 220 مترا وعمقه 13 مترا، لاستيراد القمح، وتخزينه قبل بيعه للمطاحن بسعة 145 ألف طن.
ويضم المرفأ 48 صومعة كبيرة (سعة كل واحدة 2500 طن) و50 صومعة صغيرة (سعة كل واحدة 500 طن).
ويقدر متوسط عدد البواخر التي تدخل ميناء بيروت بنحو 170 باخرة شهرياً تفرغ نحو 700 ألف طن وتشحن نحو 70 ألف طن، فيما يقدر متوسط عدد المستوعبات المفرغة بنحو 23 ألف مستوعب شهريا.

الاستيراد الصعب

يصعب على لبنان حاليا استيراد كميات أخرى من القمح في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة ونقص النقد الأجنبي، حيث فقدت الليرة اللبنانية نحو 80% من قيمتها منذ أكتوبر.
ويقع لبنان تحت عبء دين عام يبلغ 92 مليار دولار، أي 170% من قيمة الناتج الإجمالي الداخلي.
وعلقت البلاد في مارس الماضي سداد دين بقيمة 1,2 مليار دولار، وأعلنت وزارة المالية التوقف عن دفع جميع سندات اليوروبوند المستحقة بالدولار.

كيف سيدير لبنان تجارته مع العالم؟ بعدانفجار مرفأ بيروت..

بعد تعرض مرفأ بيروت على البحر الأبيض المتوسط (غرب)، الثلاثاء، إلى انفجار هو الأعنف الذي تسجله البلاد، ما أدى إلى توقفه عن العمل، كيف سيدير لبنان حركة الشحن وتجارته مع العالم؟
وقال خبراء ملاحة، بعد تفجير الثلاثاء، إن مرفأ بيروت خرج عن العمل نهائيا وإعادة تشغيله تحتاج إلى سنوات بخلاف التكلفة المالية الباهظة.
ويملك لبنان العديد من المرافئ الأخرى منها المتخصص في تفريغ أنواع معينة من البضائع كالمشتقات النفطية على سبيل المثال، إلا أن مرفأ بيروت يعتبر الأكبر في البلاد، ومنه تمر 70% من حركة البضائع.
في هذا الصدد، قال وزير الأشغال العامة اللبناني ميشال نجار في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن الحكومة بدأت بوضع الخيارات المتاحة لتعويض غياب مرفأ بيروت بمرافئ أخرى، قادرة على تلبية احتياجات حركة الشحن والتخليص
وأوضح « سنعتمد على مرفأ طرابلس الواقع شمالي البلاد ونعمل على تقييم قدرته الاستيعابية بخلاف مرافئ أخرى ».
ومن جانبه، قال مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر إن المرفأ جاهز لأي شيء وبإمكانه التداول بـ5 ملايين طن قمح و300 ألف حاوية، قائلا: « لا بدّ من الاستعانة بمستودعات خارجية ».
ومرفأ طرابلس هو المرفأ اللبناني الثاني بعد مرفأ بيروت تبلغ مساحته الإجمالية حوالي ثلاثة ملايين متر مربع.
ويستقبل سنوياً نحو 450 سفينة، بمعدل شهري يبلغ حوالي 37 سفينة.
ولدى لبنان خمسة مرافئ رئيسية، ويعتمد تصنيفها على مساحتها وقدرتها على استيعاب السفن بمختلف أحجامها، وعدد الأحواض التي يتألف منها، وقدرتها على استيعاب عدد الحاويات في مرافقها، والمخازن التابعة لها.
ومرفأ بيروت: هو الأساسي والأول في لبنان ويعد من أهم 10 موانئ على ساحل المتوسط، وافتتح رسمياً عام 1896، وكان تحت إدارة شركة فرنسية الأصل، وفي عام 1960، تم سحب الامتياز منها واعطاؤه لشركة تابعة للقطاع العام هي شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت.
المرفأ يعتبر البوابة الأبرز في لبنان، ومن خلاله تعبر كافة السلع للسوق المحلية، ومنه تصدر إلى الخارج مختلف الصناعات والسلع.
وحظي مرفأ بيروت بأهمية تجارية كبيرة في جميع العصور بسبب موقعه الجغرافي على خليج سان جورج الذي يجعله آمناً للسفن في كافة الفصول، وبسبب مكانته التجارية فهو يعتبر نقطة التقاء تجارية عالمية يقصدها التجار من كافة أنحاء أوروبا والوطن العربي.
ويتعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ حول العالم، ويتألف من أربعة أحواض يصل عمقها إلى 24 مترا، إضافة إلى حوض خامس قيد الإنشاء، ويحوي المرفأ على 16 رصيفا والعديد من المستودعات التي تؤمن شروط التخزين.

مرافئ لبنان
صيدا، ويتألف من عدد من المنشآت التي يديرها القطاع الخاص، تتضمن مرافئ لمعالجة المشتقات النفطية، إضافة لاحتوائه على رصيفين ومرسى للسفن.
صور، ولا يستخدم إلا للقليل من عمليات الشحن، ويحتوي على 4 أرصفة ويمكنه استيعاب السفن العابرة للمحيط، ولا يحتوي على معدات تفريغ بضائع ومرافئ للتخزين.
شكا، ويتم من خلاله إفراغ بواخر صغيرة الحجم.
جبيل، خاص بالصيادين فقط، ولا يملك أية مقومات ليكون بديلا ولو جزئيا لمرفأ بيروت، لعدم احتوائه على منصات الشحن والتخليص أو المخازن.
الجية، أحد المرافئ غير الشرعية التي ظهرت أثناء الحرب الأهلية ثم تمت إعادة تأهيله واستخدامه في تفريغ المشتقات النفطية.

هذا ما يبحث عنه اللبنانيون بعد إغلاق البنوك

بعد كارثة انفجار بيروت الهائل الذي أودى بحياة العشرات وقضى على الأخضر واليابس في مرفأ المدينة ومحيطه، قررت بنوك لبنان غلق أبوابها بينما تزايد الطلب بشكل رهيب بين اللبنانيين على الدولار.
وقالت جمعية مصارف لبنان في بيان إن البنوك ستكون مغلقة اليوم الأربعاء بسبب انفجار ميناء بيروت.
ودأبت بنوك لبنان على إغلاق أبوابها مع كل اضطراب كبير يحدث في البلاد منذ انتفاضة أكتوبر الماضي، حيث تتزايد رغبة المودعين في سحب ودائعهم الدولارية.
ودمر الانفجار الألواح الزجاجية وأثاثات العديد من المتاجر والبنوك في العاصمة اللبنانية، وقتل 78 شخصا فضلا عن إصابة نحو 4 آلاف.
وأدى الانفجار الهائل إلى القضاء على مخزونات استراتيجية هامة في المرفأ بينها احتياطيات القمح المستورد.
وتأثرت العديد من المباني والمنشآت الاقتصادية والحكومية، وتعرضت لأضرار كبيرة لوقوعها بالقرب من موقع الانفجار الذي أثر على محيط نصف قطره كيلومترات حسب وسائل إعلام لبنانية محلية.
وفي هذه الأثناء، قال متعاملون في أسواق الصرف الموازية (السوداء) إن الطلب على الدولار بات كبيرا جدا بينما تشهد السوق حالة من الارتباك وعجز عن تحديد رقم معين لسعر الصرف.
وحتى قبيل الانفجار، كان الدولار يباع بقيم تتراوح بين 8200 و8000 ليرة، لكن تجار العملة يقيمون الوضع حاليا عقب الانفجار.
واليوم، أعلن المجلس الأعلى للدفاع في لبنان، إثر اجتماع طارئ عقده برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون، بيروت « مدينة منكوبة »، مع إقامة حالة الطوارئ لمدة أسبوعين، وتولي الجيش مسؤولية الأمن.
وكان حريق كبير شب في مستودع للمفرقعات تلاه انفجار هائل، وسط حالة من الهلع بين السكان، وسمع دوي انفجارات قوية في المكان، ترددت أصداؤها في العاصمة والضواحي.
وأعلن رئيس مجلس الوزراء اللبناني، حسان دياب، أن الأربعاء يوم حداد وطني على ضحايا الانفجار في مرفأ بيروت.

Leave a Reply