ثقافة وفنون

مفاتيح وأبواب المدينة القديمة

قصة قصيرة
بقلم بختي ضيف الله – الجزائر

احتفظ بكل أثر ثمين تركه أجداده. كان من أثمنها على الإطلاق مفتاح نحاسي لبيت قديم، من أعرق البيوت الفلسطينية. لفّته الجدة بكل عناية وحب، قبل رحيلها، في قطعة قماش معطرة بعطر زفافها، وأوصت بالحفاظ عليه كما يحافظون على أنفسهم، عمل أبو صالح بنصيحتها؛ تراه يتفقده كلما شدّه الحنين إلى المكان والزمان.
-ما أضيَقَ العيش في خيمة لا جئ، لا يتسع لها قلبه، لا باب لها يطرق، ضعيفة، تعبث بها الريح إذا غضبت..
وقف على إحدى التلال المطلة على فلسطين، كما يفعل دائما عند كل مطلع شمس، يفتح عينيه الصغيرتين لينظر نظرته البعيدة . تساءل، في حسرة، عن الطيور التي تتجه نحوها دون انتظار ترتيبات الفصول الأربعة، يتملكها الشوق، لكنّها تعود دون أن تمكث فيها طويلا لتكتحل بجمالها الأخاذ، كأنها لم تجد ماء في أرض البرتقال الحزين، أم أنّ مجموعة من الغربان لا تزال هناك ، تعبث بالمكان !
ألح عليه ابنه الرسام بالأسئلة، كعادته:
-أبي.. أليست فلسطين أرضنا؟، لماذا لا نعود إليها؟..
-بلي، يا بنيّ.. هي أرضنا..سنعود إليها قريبا ..إن شاء الله..
حاول ابنه أن يدفن غيظه، كنار ملتهبة، بين ضلوعه، ويحاصر دموعه بكبريائه، ثم واصل رحلته مع الألوان المسلية، وأطلق عنانه إلى أبعد نقطة في الأرض المباركة. في لوحته الزيتية الكبيرة؛ الجد بكوفيته جالس على كرسه الحجري عند باب البيت، على يمينه الجدة تحمل عكازه بيدها اليمنى، كأنها تنتظر لحظة قيامه لتعطيه له، وعلى يساره ابنته بفستانها المطرز الجميل، مبتسمة، تصب القهوة، فرسه البيضاء كأنها في حالة استنفار، يلعب صغيرها بجانبها كأنه منتش بعد انتصار، و قطيع من الأغنام على بساط عشبي ممدود على طول النظر، تتلاحم أشجار الزيتون كجسم واحد لا تقوى عليها الريح العاتية حين تريد لها غيابا.
تأمل في لوحة ابنه التي بها أصل الحكاية، ثم راح يتلمس أزرار مذياعه القديم، لعله يسمع خبرا سارا أو نشيدا حماسيا يرفعه من حضيض؛ يعود به (أبو عرب) إلى توتة الدار، وإلى الأرض الذي ربّت الآباء والأعمام والأخوال، فسالت دموعه على خده في هدوء. أخفاها بكمه المغبر عن ابنه.
لكنه لم ينس ما يردده جاره كل يوم أنّ العصابات الصهيونية لم تعد قادرة على العيش في فلسطين، بعد أن أنهك قواها رجال صابرون، وأنها بدأت في الرجوع إلى الأوطان التي جاءت منها أول مرة، وأن كثيرا من بيوتهم أصبحت خاوية، تسكنها الجرذان و بعض الطيور، لكن لا أحد يصدقه. يصفونه بدرويش يدعي أنه صاحب كرامة ودعوة مستجابة.
-هل ما قاله جاري صحيح، أم أنه سراب لحلم قديم كحلم آبائه الأوّلين والآخرين؟، ولكن لماذا أنا أصدقه في باطني وأكذبه في علانيتي..كم أنا ساذج ..ولكن، ما سر الخيام التي على أطراف الأرض المباركة، كالتي كانت عند الخروج منها؟..ربما هم من الذين هُجّروا أول مرة؛ جاؤوا من أراض بعيدة وقريبة من العالم، سكنوها لسنين طويلة.. إني أرى أعدادهم تتزايد يوما بعد يوم..
تعرف على بعضهم. سُر بهم كثيرا؛ لم تتغير سماتهم العربية، سوى الصغار منهم؛ الكوفية تاج على رؤوسهم كالملوك والأمراء. علم أنهم من الذين فروا من جرائم العصابات الصهيونية التي أحرقت أراضيهم وذبحت أطفالهم. كم تألم لسماع حكاياتهم المتواترة وهي تروى في كل المجالس للأجيال، فازداد شوقا إلى العودة. وقد كانوا من مصدقي ذلك الدرويش الذي ينتقل بين المخيمات طمعا في فتات خبزهم.
-لا أدري لماذا أصدقك أنا أيضا..أيها الدرويش؟ !..
لم يستطع النوم رغم ما أصابه من تعب من عمله اليومي الشاق، ومن البحث عن حقيقة اقتراب العودة. كم كان في ترقب دائم، ينتظر خبرا أو إشارة تأذن له ومن معه أن أدخلوا الأرض المقدسة بسلام آمنين.
أشفق عليه ابنه، وأدخله إلى الخيمة خوفا أن يتجمد، فالليلة كانت باردة جدا:
-يا أبي ..لم يحن الرحيل بعد ..أراك أكثر شوقا مني ..أليس كذلك؟..تعال ..نم ..فأنت متعب..
-(وهو مبتسم، وعيناه يسلبهما النعاس): بلى..بلى…هذا صحيح …
نام نوما عميقا، متوسدا حلمه وانتظاره، لكن ابنه لم ينم له جفن. بقي مستأنسا بمصباحه الزيتي، وقد قرأ وجه أبيه ونبضات قلبه غير المنتظمة. راح يخلّد حلمه في لوحة رائعة، أخذت ليله كله دون كلل أو ملل. لم يفق من سكرة خياله والتواء فرشاته وتقاطعات ألوانه إلا بعد بزوغ الفجر، معلنا ميلاد يوم جديد.
استيقظ أبو صالح، وبعد أن صلى الفجر معه، التفت إليه قائلا:
-بني..إني رأيت حلما جميلا، أسعدت قلبي كثيرا..أرجو أن يكون واقعا في القادم من الأيام..
ابتسم ابنه، ونظر في لوحته نظرة عاشق ولهان، ثم قام وأخذ الفرشاة من جديد، وكتب اسمه، واسم أبيه ، واسم جده، وتاريخ ذلك اليوم، و نام، وعلى وجهه يرتسم الابتسام.
بينما بقي أبو صالح يلاعب أزرار مذياعه، باحثا عن نصف خبر. كانت موجة الإذاعة أكثر وضوحا هذه المرة، كأن المذيعين جالسون بين يديه يحدثونه عن ما جرى؛ هنا فلسطين، هنا الأرض المقدسة.. الآن، يحق لشهيد طوقان أن يتكلم ويسمع من به صمم !.. بيد أنه لم يجد صوت صهيون بين الأصوات السابحة. أعاد البحث عنه، لم يعد له أثر، لا مكان له في الفضاء !
-أبعدكم الله عنا.. لعنة الله عليكم إلى يوم الدين..
المذيع: أيها الفلسطينيون في كل مكان من العالم.. آن لكم أن تعودوا إلى دياركم وأرضكم التي أخرجتم منها بغير حق.. لا مكان اليوم للعدو بينكم، لقد ضاقت به تربتكم الطاهرة بما رحبت.. أدخلوا بسلام آمين.. يا جماهيرنا المنتظرة في المخيمات والشتات..في البلدان العربية و أوربا و أمريكا..
لم ينه المذيع كلامه حتى هرع أبو صالح إلى ابنه..
-استيقظ يا بني ..استيقظ ..لقد تحقق الحلم ..نعم ..لقد تحقق الحلم..الحمد لله..الحمد لله..
قبل منتصف النهار، طويا الخيمة المتهالكة التي حمتهم طويلا، واستعدا للعودة كما فعل كل فلسطيني. أخرج أبو صالح مفتاح البيت من صندوق خشبي كبير، مرددا:
-ها قد حانت عودتنا يا جدي وجدتي، سأوصل كلماتكما وكلمات من سبقوكما إلى كل الأجيال..
ثم أعاده إليه دون أن يغلقه حتى يتلمسه من حين إلى حين ولتكتحل به عيناه وتشفى من رمد الغياب. لم ينس سلاح جده الذي قاتل به العدو مع عبد القدر الحسيني.
لف ابنه لوحاته في قطعة قماش كبيرة، وشدها بحبل متين. وقد وثق عليها جزء كبيرة من تاريخ فلسطين. بكى طويلا حين تذكر أمه التي غادرت الحياة وقد كانت تتمنى أن تزوجه بمقدسية، وأن تموت على أرض أجدادها، لترى شجرة الزيتون الكبيرة التي كان بنو عمومتها يتحدثون عنها و عن خيراتها؛ كانت مباركة جامعة للقبيلة و القبائل الأخرى، تقضى تحتها الحوائج. تذكر ابن عمه الذي كان كاتبا موثقا، مستمعا جليسا لكثير من المؤرخين و الأدباء، يكتب كل معلومة عن الأرض، عن شعابها و وديانها، سهولها وهضابها. كان صاحب مكتبة كبيرة، يجمع تاريخ فلسطين القديم والحديث وخرائط قديمة لأهم الأماكن قبل أن يطمس وجهها العدو.
في الطريق، سأله ابنه (والفرحة تملأ صدره):
-كيف سنجد أرضنا يا ترى؟
رد عليه:أكيد.. كما رسمتها لوحاتك الرائعة..يا بني..ستراها قريبا..لا يمكن أن يخطئ خيالك الواسع ..ههه..
نادى أحد المرافقين:
-ها نحن دخلنا أرض فلسطين المباركة..الحمد لله..الحمد لله..
بدأ الجميع في التكبير والحمد: الله أكبر..الله أكبر..الحمد لله..الحمد لله..
وانتشروا في الأرض، كعطشى باحثين عن الماء في يوم شديد الحرارة، كل منهم يبحث عن رائحة جده كما يفعل أبو صالح؛ إذ أخرج خريطة قديمة من حقيبته، وتفقد المفتاح البيت القديم ليفتح باب الشوق، بينما كان الابن يجري خلفه يحاول أن يهدئ من حالته الهستيرية، جرى في كل ناحية، لكنه لم يجد أثرا للجد وبيته، كأن الأرض لم تعد هي الأرض. ــ يتبع ــ

إعداد: دليلة قدور

3 Comments

  1. شكرا على المواضيع المهمة

  2. مشكورين على هذه المعلومات القيمة

  3. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالـــــــــــــــثقافية والفــــــــــــــــــــــــــــنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply