ثقافة وفنون

معاهدات النبي محمد صلى الله عليه وسلم السياسية : البروفيسور: موسى معيرش

جامعة عباس لغرور خنشلة ـ الجزائر ـ
ــ الجزء الرابع و الأخير ــ

معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع النصارى:
لابد من تذكير القارئ الكريم، أن وجود النصارى في شبه الجزيرة العربية قبيل الإسلام كان معروفا، وقد لعب بعض من هؤلاء دورا حاسما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرت كتب السيرة أن أحد رهبانهم، وهو بحيرا كان قد نصح عم النبي بإعادته فورا لمكة، ولا يكمل طريقه خشية قتله. وينقل لنا مالك بن نبي في هذا السياق، أنه عندما: » بلغت القوافل مدينة (بصرى) بالشام استقبلهم راهب الدير استقبالا حارا، وقدم لهم الضيافة المسيحية ثم انتحى ذلك الراهب المسمى (بحيرا) بأبي طالب جانبا وقال له: ارجع إلى مكة بابن أخيك، وأحذر عليه اليهود فإنه كائن له شأم عظيم » .
أثناء المرحلة المكية ، كان الاهتمام بالأحداث الخارجية من الأمور الواضحة والمهمة ، بل أن ما يقع كان له تأثير بالغ الأهمية على الداخل القرشي، وهذا ما جعل هؤلاء ينقسمون إلى فريقين، أحدهما يدعم الفرس ويتمنى تفوقهم وانتصارهم ويمثله مشركي مكة، بينما يمثل الفريق الثاني المسلمون، الذين كان يدعمون الروم باعتبارهم أهل كتاب ، ويكفي في هذا السياق أن نذكر تشفى المشركين في المؤمنين بعد خسارة الروم حربها مع الفرس، فأنزل الله قوله: »الم ،غُلِبَتِ الرُّومُ ،فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ،فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ،بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ،وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ».
دون أن نهمل المراسلات التي وقعت بين النجاشي والنبي محمد بعد إسلامه وقبلها، خاصة أنه كان ملكا مسيحيا، كما جرت محاورة شهيرة بين جعفر بن أبي طالب وهذا الملك، أوضح فيه الأول رؤية الإسلام وموقفه من شخصية السيد المسيح، وأمه السيدة مريام، مستشهدا بما جاء في سورة مريم: »كهيعص، ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا، قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ،قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ،وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ، تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا، وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ
تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا »، وقد اعتبر النجاشي أن هذه الكلمات تخرج من نفس المشكاة التي خرج منه كلام عيسى، وبكى هو وأساقفته، ورفض تسليم الفارين إليه لوفد قريش، وأعاد لهذا الأخير الهدايا التي سلموها له.
كما تذكر المصادر المختلفة مناقشات كثيرة ومباهلات بين النبي وأساقفة نصارى نجران، فقد جاءه وفد مكون من مجموعة من رجال الدين، فيما سمى بعام الوفود، بعد أن وصلتهم منه الرسالة التالية: « من محمد رسول الله إلى أساقفة نجران، بسن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأما بعد ّ: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم آذنتكم بحرب. والسلام » .
وبعد مشاورات طويلة توجه الوفد إلى المدينة رغبة في مناظرة النبي، وهم في لباس من الحرير والذهب، فرفض مقابلتهم حتى اليوم الموالي بعد أن تخلوا على هذا اللباس، وأقام عليهم الحجة، بعد أن بين لهم أنهم حرفوا دينهم بما أدخلوه عليه، وخاصة فيما يتعلق بألوهية السيد المسيح، وأكل لحم الخنزير، ومع هذا كتب لهم عهدا، اختلف رواة السيرة في صيغته بعض الاختلاف، إلا أن معناه واحد، نكتفي هنا بالنص الذي قدمه البهيقي، في كتابه دلائل النبوة، وننقل ما جاء فيه:
« بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب محمد النبي صلى الله عليه وسلم لنجران إذ كان عليهم حكمه في كل ثمرة، وكل صفراء، وبيضاء، وسوداء، ورقيق، وأفضل عليهم، وترك ذلك كله على ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، ومع كل حلة أوقية من الفضة، فما زادت على الخراج، أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يومًا فدونه، ولا تحبس رسلي فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا إذا كان كيد، ومعرة، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع، أو خيل، أو ركاب فهو ضمان على رسلي حتى يؤدوه إليهم، ولنجران، وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، وملتهم، وأرضيهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم، وأن لا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغيروا حقًّا من حقوقهم، ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا من رهبانيته، ولا واقهًا من وقيهاه، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير، وليس عليهم دنية، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النصف غير ظالمين، ولا مظلومين بنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل، فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله عز وجل، وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا، وأصلحوا فيما عليه، غير مثقلين بظلم، شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة ».
ودون شك، فإن العلاقة مع النصارى ظلت في عمومها طيبة، غير أنها تخللتها مجموعة من المناوشات والمعارك، نذكر منها: غزوة دومة الجندل، معركة مؤتة، غزوة تبوك، علاوة سرية ذات أطلاح.
هذه باختصار أهم المعاهدات التي عقدها النبي مع جيرانها، وقد كانت لها الأثر البالغ في تفوقه وانتصاره، فقد حققت جميعها الغرض منها، كما تكشف لنا أن الرجل لم يقم بخيانة من عاهدهم، ولم ينقض واحدة منها، وأن ما حدث من نقض لها كان يأتي دوما من الطرف الثاني.

إعداد: دليلة قدور

3 Comments

  1. شكرا على المواضيع المهمة

  2. مشكورين على هذه المعلومات القيمة

  3. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالـــــــــــــــثقافية والفــــــــــــــــــــــــــــنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply