ثقافة وفنون

معاهدات النبي محمد صلى الله عليه وسلم السياسية : البروفيسور: موسى معيرش

جامعة عباس لغرور خنشلة ــ الجزائر ــ
ــ الجزء الثالث ــ

معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش:
رغم أن الإسلام جاء كثورة، على المنظومة القيمية والسياسية للمجتمع العربي والإنساني، حتى أنها وصفها بالجاهلية، وجاء لتهديم قيمه، إلا أنه لم يبادر مطلقا بالحرب والصدام العسكري، حتى أن الآيات التي رخصت للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم ، نزلت في فترة متأخرة أي بعد الهجرة للمدينة، وهذا ما عبرت عنه بعض آيات سورة الحج، وخصوصا قوله تعالى: » أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ،الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » .
هذا ما يجعلنا نؤكد على الطابع السلمي لهذا الدين، وهذا ما يفسر سعى النبي لعقد معاهدات مختلفة مع معارضيها ومخالفيه من القبائل العربية، سواء بقصد عقد تحالفات تعود بالنفع على الطرفين، وتجنبهما الصدام العسكري، أو حتى مع أعدائه، بل أن العديد من غزواته انتهت بمعاهدات وحتى دون قتال، رغم أن بعض بنودها لم تكن لصالحه في الظاهر، وسنحاول في الأسطر الآتية تقديم فكرة عن أهم هذه المعاهدات، بسبب كثرتها ونقصد بها صلح الحديبية:
يعد صلح الحديبية أهم صلح عقده النبي مع قريش، وكان هذا في السنة لسادسة من الهجرة، وكان الهدف منه، وقف الحرب بين الطرفين لفترة عشر لسنوات، ورغم ما في هذا الصلح من إجحاف في حق المسلمين، غير أن الرسول فرضه على أصحابه، وفيما يأتي مضمون هذه المعاهدة: « باسمك اللهم: هذا ما صلح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين يأمن فيهم الناس ويكف بعضهم عن بعض.
-على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً، أو يبتغى من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازاً إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله.
– على أنه من آتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريش ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.
– وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب السيوف في القرب ولا تدخلها بغيرها.
-وعلى أن الهدى حيث ما جئناه ومحله فلا تقدمه علينا، أشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين. »
وقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم بكامل قدرته، وبرغبة حقيقية لاحترام هذه المعاهدة، كما سعى من قبل وبعد لاحترام المعاهدات التي يعقدها مع خصومه، ومن أجل ذلك، فقد: » أرسل النبي كتابا إلى بني خزاعة، إلى بديل بن ورقاء وبقية زعماء خزاعة ليعلن لهم تعهده بأمانتهم وتصرفهم وان لهم نفس حقوق المهاجرين ».
بل وأن الرجل ذهب بعيدا في التزاماته، فقد رد حتى من أسلم، كما هو شأن أبا بصير، وهو يقول له: »يَا أَبَا بَصِيرٍ، انْطَلِقْ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْعَلُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا »، وتعليقا على هذه الحادثة ، يقول عبد الرحمن بدوي: » وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم أبا بصير إلى مولى سيديه اللذين جاء يطلبانه، فإنه قد أدى واجبه، ولا يمكن أن يطلب من النبي أن يضمن تسليم أبا بصير إلى أيدي سيده في مكة ، وهذا واجب الذين يحرسونه حتى مكة »، ومن هنا يستخلص عبد الرحمن بدوي أن هذه الحادثة تؤكد الالتزام التام : »ببنود صلح الحديبية، بالرغم أن البند محل الكلام غير عادل ومهين للمسلمين، مما جعل عمر و آخرين من كبار الصحابة يعترضون بخصوص هذا البند ».
ويعترف كثير من المستشرقين – كما يذهب عبد الرحمن بدوي -بأن قريش قامت بخرق هذه المعاهدة، بعدما تحلف قريش مع بني بكر، وقتلا العديد رجال قبيلة خزاعة رغم تمسك بعضهم بالحرم نفسه، وقد فصلت كتب التاريخ والسيرة في هذه الحادثة كثيرا، ولا نتعجب من احترام الرسول لمعاهدته هذه ولغيرها من المعاهدات التي عقدها، فهو يطبق ما جاء في سورة الإسراء حرفيا، وبالخصوص قوله تعالى: »وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً »، وفي سورة النحل، قال تعالى : »وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ».
ومن جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وردت عدة أحاديث تحذر من نقض العهد، ومنها قوله: »آيَةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا اؤْتُمن خان »، وقوله: »أربع من كن فيه فهو منافق خالص ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر  »
وقد كانت نتائج نقض هذه المعاهدة خطيرة جدا على قريش، فقد رفض سعي أبي سفيان بن حرب، في تجديد المعاهدة، سار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بجيش كبير، وفتح مكة، فتغيرت الأوضاع السياسية، وتبدلت معها موازين القوى، في شبه الجزيرة العربية، وتحولت المعاهدة المجحفة إلى نصر كبير. وهذا نتيجة ثقة الناس في رسولها، والحكمة السياسية التي يتمتع بها، وعمق بصيرته، وهو ما لم ينتبه له حتى كبار الصحابة، أمثال عمر بن الخطاب وغيره، وهكذا يكون القائد في أقدر الناس على فهم الأحداث وتقدير مسارها. ــ يتبع ـ

إعداد: دليلة قدور

3 Comments

  1. شكرا على المواضيع المهمة

  2. مشكورين على هذه المعلومات القيمة

  3. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالــــــــــــــــثقا فـــــــــــــــــــــية والــــــــــــــــــــــــفنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply