ثقافة وفنون

رئيس الجمعية التونسية للجودة في التربية الدكتور « بلقاسم بلغيث » للأمة العربية :  » التربية كممارسة لا تنجح إلّا إذا عاضدها التنظير التّربوي

و التعليم عن بعد لا يمكن أن يحل محل التعليم الحضوري في المجتمع العربي  »
ــ الجزء الثاني ـ

بعد أن عرضنا في الجزء الأول من الحوار ملامح المثقف العربي و أهمية انفتاحه على مظاهر التنوع و الاختلاف و كيف أن العمل على إجراء الإصلاحات المطلوبة في الأنظمة التربوية و التعليمية مرهون باستثمار مكوّنات هويّتنا وأصالتنا و كذا إعداد موارد بشرية قادرة على التفاعل الإيجابي مع مجتمعات المعرفة، سيحدثنا الدكتور في علوم التربية « بلقاسم بلغيث » في الجزء الثاني عن الترجمة و الانعكاس السلبي لإدخال الإيديولوجيّات السّياسيّة على العمليّة التربويّة، فضلا عن التحدّيات التي تواجه الأنظمة التربوية العربية في ظل أزمة كوفيد 19.

الأمة العربية: إلى أي مدى يعد التدريس باللغة العربية و تفعيل حركة الترجمة العلمية ذا أهمية قصوى في تحقيق استقلالية التعليم العربي؟
الدكتور في علوم التربية  » بلقاسم بلغيث »: أعتقد أنّه من الضّروري في البداية معرفة مفهوم الاستقلاليّة وخصائصها لنستطيع فيما بعد تبيّن العلاقة بين التّدريس باللغة العربيّة بما فيها اعتماد الترجمة العلميّة وتحقيق استقلاليّة التعليم في مجتمعنا أو مجتمعاتنا العربيّة. وفي هذا الصّدد يمكن القول أنّ الاستقلاليّة تتمثّل خاصّة في القدرة على الاعتماد على الذّات وعلى تحمّل المسؤوليّة وإظهار الثقة في النّفس وأخذ المبادرة والقرارات وإيجاد حلول لما تعترض الفرد أو المجموعة من مسائل ووضعيّات حياتيّة…ألخ. وذلك بتوظيف الموارد المتوفّرة. لذلك هل يمكن للشعوب العربيّة بلوغ الاستقلاليّة للتّعليم العربي من خلال التّدريس باللغة العربيّة وتفعيل حركة الترجمة العلميّة؟ وهنا لا بدّ من توضيح أمر على غاية من الأهمّية، وهو أنّ التّرجمة في كثير من الأحيان لا تكون موضوعيّة، لذلك يعتبر بعض الباحثين أنّ الترجمة هي تحريف من درجة ثانية. لهذا من الضّروري التحرّي في عمليّة الترجمة بالرّغم من أنّ الأصل لا يمكن في أغلب الحالات أن تعوّضه التّرجمة. وحتّى إذا اعتبرنا أنّ الترجمة العلميّة على درجة عالية من الموضوعيّة، فهل يمكن تحقيق استقلاليّة التّعليم العربي؟ وهنا نقول أنّ هذه الاستقلاليّة حتّى وإن تحقّقت فإنّه يمكن أن تكون قد تحقّقت بنسبة معيّنة حسب الظّروف المحلّيّة لكلّ مجتمع أو للشعوب العربيّة مجتمعة. ذلك أنّ كلّ مجتمع يبقى دائما في حاجة إلى التفاعل والتواصل مع المجتمعات الأخرى والتعاون معها، لأنّه لا يستطيع أن يعيش منفردا وفي معزل عمّا يوجد حوله في المجتمعات الأخرى. ولكن هذا لا يمنع من سعي كلّ مجتمع إلى تحقيق الاستقلاليّة والاعتماد على الذّات كلّما كان ذلك ممكنا. لذلك فإنّ بلوغ التعليم العربي المستقلّ يبقى هدفا لمجتمعنا نحقّق منه ما يمكننا بصفة تدريجيّة.

كثيرا ما نتحدث عن سبل تطوير النظام التربوي و للأوضاع السياسية للدول العربية دخل في تحقيق جودة النظام التربوي، ما المطلوب لفصل النظام التربوي عن أي محتوى ايديولوجي سياسي؟

كلّ مجتمع يعمل باستمرار على تطوير نظامه التربوي بهدف تحقيق الجودة المرجوّة في هذا المجال. ولا تشذّ الدّول العربيّة عن هذه القاعدة العامّة، بل قد يكون هذا الأمر أكثر تأكيدا لها من العديد من الدّول الأخرى نظرا لما أبرزته المشاركة في الاختبارات الدوليّة مثل TIMSS وPIZA وغيرهما من نتائج متدنّية للدّول العربيّة التي شاركت في هذه الاختبارات. وقد يكون للأوضاع السّياسيّة للدّول العربيّة دور في جعل أنظمتها التربويّة لا ترتقي إلى مستوى طموحات شعوبها. لذلك فإنّ إدخال الإيديولوجيّات السّياسيّة في المجال التّربوي له انعكاس سلبي على العمليّة التربويّة في المستويين النّظري والتطبيقي، لأنّ الاختلافات الإيديولوجيّة بين السّياسيّين قد ينجرّ عنه إدراج محتويات في المناهج التعليميّة ليست لها جدوى في تكوين الأفراد، بل وقد تكون لها نتائج سلبيّة في مستقبل حياتهم الدّراسيّة والمهنيّة، هذا إضافة إلى ما تحدثه من صراعات داخل الوسط المدرسي والجامعي. لذلك فإنّني قد نبّهت منذ سنوات إلى خطورة ما أسميته كمصطلح بالثنائيّات (مثل: يمين – يسار، علماني- إسلامي، كافر – مسلم…). ذلك أنّ هذه الاستعمالات التي كانت في السابق حكرا على بعض السّياسيّين وعلى عدد من المثقّفين وعدد من طلبة الجامعة، فإنّها أصبحت اليوم محور حديث جلّ المجالس في المجتمع وموضوع أغلب المنابر الإعلاميّة، وهذا يؤثر سلبا في حياتنا لأنّه يعمّق الانقسامات والتشتّت ويوصلنا إلى التّناحر والتّقاتل مثلما نراه الآن في بعض الدّول العربيّة. وهكذا يصبح كلّ طرف حريصا على أن يكون له دور فاعل في بناء النّظام التّربوي لإدخال ما لديه من أفكار مرتبطة بتوجّهاته الإيديولوجيّة. لذلك فإنّه من الضّروري فصل المناهج التربويّة عن المجالات السّياسيّة والإيديولوجية. ولتحقيق ذلك من الضّروري عند إعداد الأنظمة التّربويّة والمناهج التعليميّة تكليف أهل الاختصاص في المجال العلمي والتّربوي والمشهود لهم بالخبرة والاستقلاليّة عن مختلف التيّارات السّياسيّة ليتمكّنوا من القيام بهذه المهمّة على الوجه المطلوب.

هي إذن تحديات كثيرة تواجه النظام التربوي في البلاد العربية و لعل من أهمها التوجه نحو التعليم عن بعد الذي ظهر بشكل ملح خلال أزمة كوفيد 19. في تقديرك، هل هاته الأزمة الصحية ستدفع الحكومات العربية لتبني سياسات تعليمية تستفيد من معطيات العصر و تصل الماضي بالحاضر لاستشراف المستقبل؟.. و هل هذا ممكن مع تردي خدمات الأنترنيت و تدني المستوى المعيشي للأسر العربية؟..هل سيحقق هذا النمط من التعليم المساواة أم أن الهوة ستكون عظيمة؟

تواجه الأنظمة التّربويّة في البلدان العربيّة منذ العديد من العقود وخاصّة في عصرنا الحاضر تحدّيات كثيرة، وعلى مجتمعاتنا أن ترفعها لتتمكّن من تقليص الهوّة الّتي تفصلنا عن الدول المتقدمة. وتتمحور هذه التحدّيات خاصّة حول كيفيّة تمكين شعوبنا من بناء المعارف وإنتاج البراءات والبرمجيّات وحسن التحكّم في التّقنيات الحديثة لنكون ضمن مجتمعات المعرفة. ذلك أنّ المجتمع الذي ينتج المعرفة أصبح هو المتحكّم في المجتمع المصنّع، لذلك فإنّ مجتمعات المعرفة هي التي تقود العالم حاليا. وقد تبيّن في الفترة الأخيرة وخاصّة منذ ظهور أزمة كوفيد 19 أنّ من أهمّ التحدّيات في المجال التّربوي هو التّفكير في التّعليم عن بعد، نظرا لضرورة غلق المؤسّسات التّربويّة والتّعليميّة في الكثير من دول العالم تبعا للظروف الصّحّيّة غير المنتظرة التي مرّ بها ومازال يعاني منها العالم. لذلك أصبحت العديد من الدّول ومنها الدّول العربيّة تفكّر في كيفيّة إنقاذ السّنتين المدرسيّة والجامعيّة، ومن بين الحلول التي تمّ التوجّه إليها توظيف التّعليم عن بعد. وهو ما جعل أصحاب القرار في العديد من الدّول ومنها الدّول العربيّة يسعون إلى اعتماد المعطيات التي أفرزتها الأزمة الصّحيّة الأخيرة والمتعلّقة بانتشار فيروس الكورونا بهدف التفكير في سياسات تربويّة وتعليميّة قادرة على استشراف المستقبل وما يمكن أن يفاجئنا به من أوضاع غير متوقّعة. إلّا أنّ الاقتصار على التّفكير في التّعليم عن بعد عند بروز أزمات أو بدونها لا يمكن أن يعوّض التّعليم الحضوري نظرا للعديد من الأسباب، ومن بينها خاصّة غياب التّواصل المباشر والتّعاون الحقيقي خلال التّعليم عن بعد، ذلك أنّ التعليم الحضوري والمباشر يساعد على تطوير العلاقات التّربويّة داخل الفصل التعليمي وكذلك داخل المؤسّسة بين كلّ الأطراف التربويّة والتّعليميّة. لذلك فإنّ الجانب الاجتماعي الذي يمكن أن يساهم التّعليم الحضوري في بنائه وتجويده سوف يكون مفقودا بنسبة كبيرة في التّعليم عن بعد. هذا إضافة إلى أنّ الدّول العربيّة بحكم أوضاعها الاجتماعيّة والمعيشيّة وكذلك تدنّي خدمات الأنترنات بها في الكثير من الأحيان لا يساعد على الاعتماد الكلّي على التّعليم عن بعد. كما تجدر الملاحظة أنّ اعتماد التّعليم عن بعد يمكن أن يجعل الهوّة بين الدّول العربيّة والدّول المتقدّمة أكثر اتّساعا نظرا لما توجد بين الطّرفين من فروق معرفيّة وتقنيّة واقتصاديّة وغيرها. كما أنّ التّعليم عن بعد لا يساعد على مراعاة مبدأ الإنصاف في مجال التربية والتّعليم نظرا لعدم توفّر نفس الظروف التي يتطلّبها هذا النّوع من التّعليم لجميع المتعلّمين في كلّ دولة من الدّول العربيّة. وهو ما يجعل كذلك الهوّة بين المناطق في نفس الدّولة وكذلك بين الأفراد في نفس المنطقة كبيرة أكثر. وهذا يتعارض مع ما ننادي به من إنصاف وتكافؤ الفرص للجميع في التربية والتعليم لتوفير ظروف النّجاح لهم.

حاورته: دليلة قدور

3 Comments

  1. شكرا على المواضيع المهمة

  2. مشكورين على هذه المعلومات القيمة

  3. شكرا على مواكبتكم للاحداث والاخبارالــــــــــــــــثقا فـــــــــــــــــــــية والــــــــــــــــــــــــفنية الهامة المزيد من النجاح

Leave a Reply