ثقافة وفنون

الفوضوية النقدية ومآلات الفراغ : سعد الساعدي ـ كاتب عراقي ـ

أحاول هنا مختصراً الكثير بإشارات أراها مفيدة للجميع قبل أي مقدمات تمهيدية عما يكتبه البعض ممن ينتسبون ربما ظلماً للفضاء النقدي الواسع.
مما يكتبونه في الآونة الأخيرة لا يعدو غير استعراض لشيء كل ظنهم أنه إبداع جديد لمدرسة كل معانيها توحي بفوضى مع عموم الفوضى في كل مكان. فإذا أشكلنا على أن النقد والتحليل ليس الكلمة ومعناها، أو الشرح للنص الأدبي بالذات لان ذلك يشكّل نسبة العشر من الذي ينبغي السير عليه وفق المعطيات التالية:
إبانة الإبداع، تحليل المضمون، نوع الرسالة كون العمل الأدبي أو الفني لابد له من رسالة، وإلاّ أصبح جزءاً من الفوضى والعبث المشتت،مع بيان الخلل والأخطاء لغرض التقويم اللاحق في عمل لاحق، والإيجابيات الجمالية، إضافة لهدف هذه الرسالة، وهل تحقق أم في طور التحقيق، ماهي الصور المتصورة عنه، من يمكن له فكّ رموزه إن كان مرمزاً، وشفراته الطاغية إن تداخلت بقوة هناك وغير تلك الأغراض كأدوات اشتغالية، وليس التقوقع بقوالب المدارس النقدية القديمة.
الملفت، كأنَّ دور الناقد رسمْ مخطط ما وفق هواه بعيداً كل البعد عن العمل الإبداعي لو صدق عليه وصف الإبداع، فهو منذ الوهلة الأولى تائهاً قبل أن يتيه من يقرأ له.
بشكل توضيحي أكثر؛ لو وجدنا رسماً بيانياً وضعه الناقد، وتسلسلاً رقمياً لِما ورد من كلمات في النص بدلالة أو معنى متنافرتين لا غرض لهما غير التصنيف الفئوي للموجودات المحسوسة أو غيرها. فإذا كانت كلمة الشجرة والوردة كائناً نباتياً سيقول لنا أن المرأة أو الأنثى هي كائن بشري، وإذا جاءت كلمات كالخير، والأمنيات، والخلق والخالق؛ قال عنها روحية محضة لا تتعدى الدعوة والطلب والرجاء لأن تصنيفها النقدي الجديد هو هذا.
السؤال هو: ما الذي جاء به الناقد جرّاء ذلك كإضافة إبداعية لعمل إبداعي؟ في الواقع لا يوجد ثمة أبداع غير الإيهام والسفسطة الكتابية إن صحَّ التعبير. هل هذه وظيفة النقد الواجبة لمن هو متخصص بالنقد؟ وهل زادت خبرة وتفاعل المتلقي لاحقاً كمشاركة وجدانية وهو يقرأ ما كُتبَ عن الذي قرأه، أو سيقرأه؟ بالتأكيد لا شيء من هذا القبيل، وهذا ما يؤدي بفشل الرسالة النقدية لأنها عديمة الأهداف مُنتجها اتخذ الزخرفة منهجاً تحليلياً خاوياً. فلا نستغرب من انحسار كتابات نقدية كثيرة حين يرى أصحابها الفوضى قائمة بعشوائية تسمى النقد، ليبتعدوا عنه أخيراً وهم في قمة العطاء.
ومن المفيد أيضا التذكير به كما هو منهجنا دائماً بعدم اعتماد المدارس الغربية الأساس لكل شيء طالما امتلكنا مدرسة واسعة في اللغة العربية لا مثيل لها بالمعنى والاشتقاق والجمال وقوة البلاغة، وهذا ليس انحيازاً مني أو ممن يدعو له غيري. فوضى النقد لم تأتِ هكذا اعتباطاً، بل من محاولة ربما تجديدية غير موفقة إذا أحسنّا الظن فرضاً وجدلاً، وإلاّ فهي فوضى الجهل الناتجة عن فراغ لا أكثر ولا أقل، حتى لو كان صاحبها يحمل شهادة عليا!.

Leave a Reply