ثقافة وفنون

أطفالنا والعنف الهدّام في فضاء الابتسام ــ الجزء الثاني ــ

إعداد: دليلة قدور

برامج الكاميرا الخفية أنموذجا
بقلم الأستاذة فتيحة بارك
أما برامج الكاميرا الخفية العربية ظهرت مع فؤاد المهندس بمصر 1983 وبرنامج (طيمشة ونيمشة) لزياد سحتوت سوريا2007، وبرنامج (منكم وإليكم والسلام عليكم) لعباس النوري سوريا 1994، وبرنامج (رامز تحت الصفر) لرامز جلال مصر2018، الذي استعمل فيه أسلوب الترويع والعنف والترهيب. ونري جليا في الأعوام الأخيرة تسابق القنوات التلفزيونية على إنتاج وبثّ برامج الكاميرا الخفية، والذي نرجعه في نظرنا إلى الأسباب التالية:
*التكلفة المادية المتواضعة لإنتاجها غالبا، ماعدا البعض منها والتي تتطلب مبالغ هائلة، مثل برنامج رامز جلال لهذا العام.
*استقطاب الجماهير الواسعة للترفيه عن نفسها نظرا للحالة المعيشية السيئة للمشاهد العربي عموما والجزائري خاصة.
*البحث الدائم على كم هائل من الإعلانات من طرف القائمين على القنوات التلفزيونية بتحقيق المعادلة (أكثر جماهير أكثر إعلانات).
*عجز القائمين على القنوات عن الإبداع لملئ الفراغ وإغلاق البرمجة فيلجأوا إلى هذا النوع من البرامج.
*التنافس بين القنوات التلفزيونية على استقطاب عدد اكبر من المشاهدين للرفع من نسبة المشاهدة، يدفع كل قناة للإكثار من هذه البرامج وتنويعها بغض النظر عن قيمتها التوعوية، خاصة مع غياب الاحترافية وعدم احترام أخلاقيات المهنة.
*العمل على إلهاء المواطن عن الانشغال بالقضايا الهامة والمصيرية للوطن، بدليل أن بعض القنوات تبث تسعة برامج كاميرا خفية في شهر رمضان كل سنة، ويعاد بثها يوميا عدة مرات، نذكر بعضا منها والتي لاقت رواجا في أوساط المشاهدين (رانا حكمناك، أنا خاطيني، استوديو التكسار، بيناتنا، اخطب ولا اهرب، الهربة تسلك، الميت الحي، الطاكسي المربوح، ماشي مرتي، وغيرها).
إن العنف المتخفي وراء الابتسامة له أثره على المتلقي عامة وخصوصا الأطفال، فحال برامج الكاميرا الخفية في الجزائر ينطبق عليه المثل القائل(دسّ السم في العسل) أي دسّ العنف في برامج عنوانها البسمة.
إن ما شهدناه على القنوات التلفزيونية الجزائرية ليس برامج كاميرا خفية تؤدي رسائل تربوية اجتماعية، بل هي برامج مقالب تعتمد على العنف وتتلاقى مع شيء مهم لدى الطفل وهو خلق حالة الإبهاج بالعنف، هذه الحالة تولّدت عند الأطفال من خلال الألعاب الالكترونية العنيفة، وبدل أن يكون القصد من برامج الكاميرا الخفية تمرير رسائل اجتماعية للمجتمع، أصبح العنف يسيطر عليها وهي بذلك تنّمي العنف لدى الأطفال.
انطلاقا من هذا، يتّضح أن الآباء استوعبوا أثر العنف في الإعلام على نفسية أطفالهم، من خلال تحذيرات الخبراء المتخصصين في مجالي علم النفس وعلم الاجتماع مما تحدثه من أثر عميق على نفسية الأطفال عند تعرضهم المكثف والدائم لمشاهد العنف على شاشات التلفزيون، كتقليد مشاهد العنف والخوف غير المبرر، لذا فإن العنف في الإعلام والذي تنبه إليه الجميع وحاولوا تجنب أثره، ونبهت إليه مختلف الجهات الوصية والناقدين الإعلاميين هو العنف الذي يتخلل أفلام الحركة ومسلسلات الأكشن، وهي برامج عنف صريح وجلي،
والتحذير منه لا يختلف عليه اثنان، لكن أن تكون مشاهد العنف متخفية وراء ستار من حرير وهو الابتسامة، فالأمر هنا عصي على الإدراك، رغم أن العنف في فضاء الابتسامة أعنف أثرا، لأن المشاهد يلقي كل ما يدافع به عن أبنائه، ويدعهم يلعقون السم وهو وسط حبة حلوى مغرية، وبذلك كان أثر العنف المشاهَد في برامج التسلية ( الكاميرا الخفية)عنيفا على نفسية الأطفال للأسباب الآتية :
* لأن البرنامج ترفيهي مسلّي هدفه إضحاك الجماهير فلا يدعنا هذا ننتبه الى قوة العنف الذي يتضمّنه، إلا من نقاد إعلاميين متخصصين أو من أشخاص لهم من النباهة والذكاء والاطلاع ما يجعلهم يشعرون بخطر هذا العنف الخفي وليس الكاميرا الخفية.
* لأن البرنامج ترفيهي تجتمع حوله العائلة كلها مع الأطفال لزرع جو من المرح، وهذا هو المطلوب واللازم، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال، منع الأطفال من مشاركة العائلة هذه اللمّة والفرحة.
* عدم انتباه الأهل والأولياء إلى العقل اللاواعي للطفل الذي يتأثر بتلك المشاهد، ما يجعله يستخف بممارسة العنف على الآخر، ويسعده ذلك إذا نجح ومارسه في الواقع على أقرانه.
وما زاد الطين بلّة تجاوز كل الحدود باستخدام العنف اللفظي والجسدي لإهانة الإنسان بطرق مختلفة، والإساءة لكرامته في برامج الكاميرا الخفية التي أكدت أن بعضها يحمل مشاهد عنف وخشونة وإساءة أخلاق، إذ لا يُراعى في الضحية لا سنه ولا ثقافته ولا اسمه أو وضعه الصحي، في برنامج بغرض أنه ترفيهي، حقيقة إنه البؤس الإعلامي، عندما أصبح نجاح حلقة عن أخرى في برامج الكاميرا الخفية يُقاس بالحد الذي يصل إليه رد فعل الضيف من سب وشتم وكلمات نابية مقيتة وضرب ورمي للأثاث والخروج عن الأدب واللباقة.
وقد قمنا بتحليل مضمون ست حصص من برامج الكاميرا الخفية عبر القنوات الجزائرية، بمعدل زمني بلغ ثلاث ساعات، في حدود النصف ساعة لكل حصة.
وبالملاحظة البسيطة نرى أن كل الحلقات وبدون استثناء اعتمدت على العنف اللفظي والجسدي من جانب مقدم البرنامج وضيوفه أو كلام استفزازي من المنشط للدفع بالضيف لاستعمال العنف اللفظي، وقد بلغ فيه العنف بنوعيه نسبة 90,53 بالمئة من الوقت الكلي للحصص الست التي حللنا مضمونها، فيبقى السؤال يطرح نفسه بإلحاح علّنا نستفيق، كيف نضحك ونقهقه ونستمتع بمشاهد العنف هذه؟
ومن هنا، نستطيع القول أن الخلل في المشاهد الذي يحرص على مشاهدة هذا النوع من البرامج الخالية من أي رسالة تربوية، وقد تبين أن ضيفات برامج الكاميرا الخفية استعملن العنف بنوعيه، والذي وصل بعد استفزازهن حدّ الاشتباك مع مقدم الحصة، ولم يحترمن أنوثتهن وهذا ما قد يترسب في العقل اللاواعي للبنات ويدفعهن لتطبيقها في الواقع، فيحدث ما لا يحمد عقباه، إذ قد تتعرضن للضرب المبرح، فالواقع ليس كاميرا خفية.
والملاحظ أيضا، أن البرامج كلها مبنية على الغضب أو هي دعوة صريحة للغضب الذي نصحنا رسولنا صلى الله عليه وسلم باجتنابه قدر ما نستطيع، لأن فيه ضررا جسيما على صحتنا الجسدية والنفسية على حد سواء، كما لا يمكننا تجاهل إنهاء البرنامج بإظهار الضيف في ختامه على أنه بطل، ليصبح مثلا أعلى في العقل اللاواعي للأطفال رغم ما قام به من تجاوزات وابتعاده عن التحلي بالهدوء والروية، وعدم قدرته على امتلاك أعصابه التي فلتت منه عن آخرها. والمؤسف أنه عند سؤالنا الأطفال عن ما يعجبهم في البرنامج، كانت الإجابة: « قلق الضيف والسب والشتم والضرب وتحطيم ديكور البرنامج »، أما عن سلوكات الأطفال أثناء المشاهدة فحدّث ولا حرج، فالملاحظ أنهم يتفاعلون مع ما يشاهدونه بقوة إما عن طريق الضحك والقهقهة أو بالتعليق: (اضربو)، وتبين لنا أن تفاعل الأطفال مع ما يشاهدونه، يُظهر تأثرهم بمشاهد العنف سواء من خلال الضحك على مشاهد ليست مضحكة في أصلها، وأيضا من خلال تعليقهم بأمر الضيف بضرب مقدم الحصة، دليل على أنهم اقتنعوا بأن العنف حل من الحلول التي نرد بها على إساءة الآخر لنا. ـــ يتبع ــ

1 Comment

  1. شكرا على الموضوع

Leave a Reply