ثقافة وفنون

أطفالنا والعنف الهدّام في فضاء الابتسام ـ الجزء الأول ـ : برامج الكاميرا الخفية أنموذجا

بقلم الأستاذة فتيحة بارك ـ الجزائرـ

إن العنف الممارس في برامج الكاميرا الخفية على ضحايا المقالب ( ضيوف البرنامج ) وكذا العنف الممارس من طرفهم سواء اللفظي أو الجسدي، تستدعي منا شذب تلك المشاهد العنيفة لانتهاكها حدود الّلباقة وتعدّيها على الأخلاق في بعض الأحيان، من خلال ترويع الضيوف وتخويفهم ودفعهم للغضب والنرفزة، ما يترتب علي ذلك من خروجهم عن الأدب، كرد فعل عما يتعرضون له من استفزاز، فانجذاب المشاهد عموما والأطفال على وجه الخصوص إليها، وحبهم لمشاهد العنف المتبادل، واسترسالهم في الضحك عند مشاهدتها، دفعنا للقيام بدراسة تحليلية لمضمون بعض الحلقات من برامج الكاميرا الخفية التي حازت على نسب مشاهدة عالية خلال الأيام الأولى من رمضان على شاشات القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة.
كما قمنا بإجراء مقابلات مع عشرة أطفال ( 6 إلى 12 سنة ) بعد ملاحظتهم ورصد ردود أفعالهم وهم في حالة التعرّض لهذه البرامج، خاصة بعدما شهدنا تقليدا واضحا لسلوكات العنف في هذه البرامج من طرف الأطفال في حياتهم اليومية ( السب الشتم ورمي الكراسي والطاولات).
وقد قمنا أيضا بإجراء مقابلات مع أوليائهم لمعرفة أهم السلوكات المستجدة التي ظهرت عند الأطفال، بعد تعرّضهم الكثيف لهذه البرامج وإعادة مشاهدتها عبر اليوتيوب عديد المرات، لنبحث في سبب حبهم لها، رغم ما يتخلّلها من عنف وتجريح للضيوف، وكذا الاستفسار عن الأسباب التي تجعلهم في قمة السعادة، فيضحكون في كل مرة يشاهدونها فيها.
وإذا سلّمنا أن الوظيفة المنّوطة بالإعلام إلى جانب الإخبار والتثقيف والتنشئة الاجتماعية هي الوظيفة الترفيهية، وهذا ما يبرر لجوء المتلقي إلى وسائل الإعلام بعد يوم شاق ليرفّه عن نفسه نوعا ما، وفعلا استطاع الإعلام أن يقوم بهذه الوظيفة إلى حد ما، وهذا عبر مختلف الوسائل الإعلامية وفي كل الحقب الزمانية وخاصة التلفزيون، ومن بين المضامين الإعلامية الهادفة إلى الترفيه ( الدراما، الأفلام والمسلسلات، البرامج الفنية، برامج المسابقات، البرامج الرياضية…الخ) ليبقى الهدف الأسمى لهذه الوظيفة، هو رسم الابتسامة على وجه المتلقّي لينسى ما مرّ به من معاناة وتعب، فيجدد بذلك طاقاته ليستمر في عطاءاته. وبقيت هذه المضامين الإعلامية للترفيه في تجدد دائم لتلبية رغبة الجمهور وتجنب التكرار الممّل، ومن بين البرامج الترفيهية والتي راجت مؤخرا في القنوات التلفزيونية ولاقت نجاحا باهرا ومتابعة عالية ( برامج الكاميرا الخفية ) والتي تعتبر فضاء رحبا للابتسامة ولخلق جو من الفرح والفكاهة، لكن لأسباب متعددة سنذكرها لاحقا حادت هذه البرامج عن طريقها وهدفها في زرع البسمة وأصبحت للأسف الشديد تزرع العنف بدل الابتسامة، والكلام القبيح بدل الفرح، والسب والشتم بدل الضحك، والضرب والتعدي بدل العناق والوفاق، ولا تنشر هذا فحسب، بل وتؤصّل له وتبرّره، فهل يؤثر العنف المتخفي وراء الابتسامة في برامج الكاميرا الخفية على سلوكات الأطفال وينشر التعنيف في أوساطهم؟
إن العنف سلوك تستعمل فيه القوة بطريقة تعسفية هدفه إرغام وقهر الآخر، وينقسم إلى نوعين (مادي ومعنوي)، فالعنف المادي ما يتجسد على شكل سلوك أو فعل صادر عن شخص أو جماعة قصد إلحاق الضرر المادي الملموس بالآخرين وممتلكاتهم. أما العنف المعنوي هو العنف الذي يصيب الحالة النفسية للمعتدى عليه، ما يجعله يعيش حالة من الارتباك وعدم الاستقرار والشعور بالخوف وفقدان الثقة بالآخر، ومنها السب والشتم والاحتقار والاستفزاز.
وإذا أردنا ان نعرّف برامج الكاميرا الخفية، فإنها تعرف باللغة الانجليزية hidden camera
وباللغة الفرنسية camera cacheوهي في الأصل برامج تعتمد على إخفاء الكاميرا لتصوير الآخرين دون علمهم، وتعريضهم عمدا لشيء غريب أو مخيف أو مرعب أو موقف محرج أو مغري ورصد ردود أفعالهم، ثم إخبارهم لاحقا بأنه تم تصويرهم، ويُأخذ الإذن منهم لعرض المشهد، وتتميز هذه البرامج غالبا بالطابع المرح بتنفيذ خدع محرجة ( مقالب ) تسفر عن أحداث طريفة وأحيانا ردود أفعال غريبة أو مفاجئة تجاه من ينفذ المقلب.
فبالإضافة إلى الترفيه يمكن اعتبار هذه البرامج توثيقا لحال بلد أو شعب أو فرد ما في فترة من الزمن، حيث يكون على طبيعته وبدون أي تعديلات أو رتوشات خاصة الكاميرا الخفية في الشارع، والتي تنقل لنا العمران والطرقات ومظاهر الحياة والأزياء وسلوكيات الناس وردود أفعالهم تجاه ما يعترضهم من مواقف في حياتهم اليومية، ففكرة الكاميرا الخفية هدفها إظهار طبيعة الأشخاص كما هم دون تمهيد أو ترتيب، والفائدة من إخفاء الكاميرا ظهور الطبيعة الأصلية لدى الشخص الذي وقع في كمين الكاميرا الخفية.
وغالبا ما كانت لقطات الكاميرا الخفية التي كانت تبثها القنوات التلفزيونية لقضاء وقت فراغ في البرمجة ريثما تجهز للبث المباشر، كل هذه اللقطات كانت تدفع إلى الضحك والاسترسال في الابتسام، ولازالت عالقة في أذهاننا، نتذكرها بكل سياقاتها لاستعادة ذكريات جميلة.
فالكاميرا الخفية فكرة جاءتنا من الغرب، وهي رصد لردّ فعل شخص ما تُجاه موقف غريب أو صادم أو محرج دون معرفة سابقة له بعملية الرصد، فالكاميرا الخفية قد تكون مرآة للواقع المعاش وتسجيل لثقافة التعايش لدى الأمم. ومن المعمول به عالميا أن برامج الكاميرا الخفية تؤدي رسائل تربوية اجتماعية ومن هذا يمكننا مقارنتها ببرامج الكاميرا الخفية في القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة. إذ كانت بدايات برامج الكاميرا الخفية بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1948 candid camera، وبكندا سنة 2000 Just for laughs ــ يتبع ــ

1 Comment

  1. شكرا على الموضوع

Leave a Reply