ثقافة وفنون

أسئلة الكتابة الإبداعية ـ الجزء الثاني و الأخير ـ : بقلم الأستاذ الدكتور بومدين جيلالي ـ الجزائر ـ

السؤال الثاني : لمَن يكتب المبدع ؟

عادة ما كتب المبدعون لقارئ واقعي أو قارئ مفترض في حيز محدود دونما أن يأخذوا غالبا بالحسبان صدام الحضارات والديانات والثقافات واللغات والأمم المتصارعة بمختلف آليات الصراع من أجل الهيمنة على الآخر بما يترتب على ذلك من جرائم وامتيازات، واليوم لقد تغير الأمر كثيرا إذ أصبح الإنسان المبدع يكتب للإنسان في حاضره ومستقبله بصفة عامة، فما ينزل النص الهام إلى الأنترنيت حتى تتخطفه اللغات مترجمة له ويلف العالم في لحظات معدودة ويمر أمام عيون الأصدقاء والأعداء كما يمر أمام عدسات المخابر والمخابرات وغير ذلك… من هنا بات للكتابة الإبداعية الهامة ذات التأثير قارئ آخر لا يمكن تصوره بدقة، لا واقعيا ولا افتراضيا … ومن باب حسن إدارة الصراع القائم الذي لا مفر منه في الزمن القريب ولا نجاة من آثاره الخطيرة إن استمر وضعنا الوجودي على ما هو عليه من اهتزازات زلزالية تفتح الثغرة وراء الثغرة؛ علينا أن نكتب إلى القارئ الإنسان في كل مكان وفق صورتين متداخلتين : إحداهما موجهة للأنا الجمعي ليعيد إلى الأمة مقاييس وجودها الموحد بدفاعها عن نفسها ومساهمتها في الحضارة البشرية انطلاقا من هويتها وخصوصيتها وحاجاتها وطموحاتها، والثانية موجهة للآخر في أشكاله المتعددة من أجل تقديم أنفسنا بأنفسنا إليه وتصحيح صورتنا عنده إذا كانت مشوّهة بفعل فاعل وتعميق تجليات خصوصيتنا حتى لا نذوب في هذا الآخر المهيمن ونخرج من مسرح التاريخ.
السؤال الثالث : كيف يكتب المبدع ؟
الكاتب المبدع فنان، والفنان المدرك لماهية الفن ورسالته تكون بالضرورة أدواته جميلة تنتج التشكيل الجمالي وليس التشكيل الذي لا جمال فيه أو جماله نازل تحت الحد الأدنى الذي يترقبه المتلقي. وهذا الجمال المرتقب في الإبداع الأدبي لا يجسده إلا الأداء اللغوي بأدبيته الراقية وإتقانه للمعلوم بالضرورة من علوم لغة الكتابة ومعارفها الخاصة بها… وهذا الجمال اللغوي ليس واحدا في كل الأقوال والأحوال بل هو متعدد بتعددها فالشعر له تشكيله الفني والسرد له تشكيله الفني والتمسرح له تشكيله الفني وهكذا دواليك في بقية أنواع الكتابة الإبداعية وأجناسها … وبقدر ما كان القاموس ثريا منفتحا على انزياحات جديدة والقواعد صحيحة والخيال حرا والزاد المعرفي واسعا والقابلية للتطور والإضافة حاضرة والهاجس الإبداعي مؤطرا باستعداداته وعزمه ورؤيته ورسالته بقدر ما كانت الكتابة إبداعا عظيما يخترق حدود الزمان والمكان والثقافات والحضارات … أما عن ظروف الكتابة ومحفزاتها وأوقاتها فالمسألة تبقى شخصية متغيرة باستمرار الاستمرار حتى عند الكاتب الواحد أحيانا.
السؤال الرابع : بم يودّع المبدع النص الذي أنجبه ؟
الحفل الذي يقيمه المبدع بعد كل إبداع جديد ليس هو البهرجة الإعلامية الإشهارية في مستواها الضيق او مستواها الواسع وإنما هو مجالسته على انفراد لإبداعه بوصفه الوحيد الذي عايشه منذ اللحظات الجنينية الأولى إلى غاية ولادته، وأيضا بوصفه أول المتلقين له مباشرة بعد الولادة، وهذا لينظفه مما فيه من أدران ويلبسه لباس الخروج الذي لا عودة بعده.
السؤال الخامس : ماذا يحدث بعد انفصال المبدع عن نصه ؟
بعد خروج الإبداع من يد المبدع إلى رحاب الحياة؛ على المبدع ألّا يصبح عالة على إبداعه أو حارسا على ثغوره أو موجها لمساراته أو منتظرا ما يترتب على خروجه إلى الحياة بل الأفضل للنص والناص على حد سواء أن تحدث شبه قطيعة بينهما بترك النص يفتح طريقه بنفسه كي لا يسقط بعد سقوط الوصاية عليه عاجلا أو آجلا وبتوجه الناص نحو أفق أبعد وأوسع بطموحات جديدة وعزم أرقى من سابقه… وهكذا ينجو كلاهما من اللف والدوران حول ذاتيهما في مساحة ضيقة وتستمر الحياة الإبداعية متجددة متحررة من قيود المكتسب الذي أصبح قديما بمجرد اكتماله وخروجه إلى الناس.

Leave a Reply