ثقافة وفنون

وعي الطفولة : ولادة عسيرة من رحم الشاشة

بقلم الباحث الجزائري عبد الحق شادلي

سؤال: هل نحن من يستخدم الأجهزة أم الأجهزة هي من تستخدمنا؟ وهل يمكننا أن نضعها جانباً أو نطفئها؟
صورة
يحيلنا هذا السؤال إلى الحالة التي أصبحنا نعيش فيها في زمن التكنولوجيا وسطوة الجهاز، كثيرا ما كنا نفكر بالأمس القريب في طرق لتبسيط الحياة وجعلها أكثر مرونة، ولكن إن هذه الحياة التي كنا نبحث عنها جعلها الجهاز والتقنية فخاً نقع فيه كل يوم، أصبحنا نعيش اليوم في عالم لا نهتم فيه بالواقع، إلّا من خلال الشاشة.
أكبر قلق يتبادر اليوم في أذهاننا هو الوصول غير المقيد للجهاز، لأن هناك ما يسمى ببيولوجيا لهذه الأشياء مسببة للإدمان مثلما يسببه الكحول، والنيكوتين، إذ أصبح الرضيع يمتلك أول هاتف أو لوح إلكتروني لديه، يتعلم كيف ينقر ويحرك بينما يسيل لعابه عليه، لأن هذا ما يضعه الآباء بين أيدي أطفالهم لإبقائهم مستمتعين وهادئين، وبات هناك أنواع متعددة من الشاشات التي يجلس أمامها الطفل على غرار شاشة التلفزيون التي كانت ولا زالت تجذبه لساعات طويلة، بل وأصبحت الشاشة الواحدة وجها متعددا لعدة شاشات، فشاشة الهاتف الخلوي الغني عن التعريف أضحت بمثابة شاشة كمبيوتر وشاشة فيديو وشاشة للألعاب الالكترونية وشاشة تلفزيون.
إن عالم الشاشة بتعدده أصبح واقعا جديدا لولادة عسيرة لوعي الطفل وبناء سلوكه، والجانب المغفول عنه في ذلك هو تحديد الاختلافات بين المراحل العمرية للأطفال واختلاف رؤيتهم لما يقدمه لهم هذا العالم، فالطفل أصبح ينجذب إلى الشاشة أكثر من انجذابه إلى والديه وأسرته ومحيطه الاجتماعي.
فما وجد الآباء واقعين فيه أبنائهم -وهذه من أكبر التأثيرات الاجتماعية- هو أنهم أصبحوا متوحدين مع أجهزتهم (الحاسوب، الهاتف الذكي…)، مما شكّل عالما جديدا بعيد تماما عن الواقع، من بين مخلفاته أنه جعل الطفل لا يستطيع التفريق بين الفانتازيا (الخيال) وبين ما هو واقعي وذلك اعتمادا على الخيال المقدم، مما جعله يعيش واقعا يغلب عليه طابع المخيال.
ومن مخلفات واقع الشاشة على الطفل أنه أصبح لا يستطيع فهم الأحلام والأحداث واختلاطها في وعيه حتى أصبح ينظر إلى السماء ينتظر وصول بطل مزيف شاهده عبر الشاشة، ويقلد حركاته في صورة نمطية لتشكل هوية البطل قد تترجم في كثير من الأحيان إلى عنف هستيري، وحب التملك لهذه الصورة وتقمصها، قد تنعكس على سلوكاته من خلال السعي للحصول على كل ما يريده باستعمال العنف والقوة، والغريب أن الآباء في كثير من الأحيان يعززون هذه الصورة النمطية لتقمص دور البطل الخيالي باقتناء لوازم وأغراض تحمل في واجهتها صورته الترويجية ليجد الطفل نفسه محاط بالوهم المزيف من كل حدب وصوب.
وبالمقابل يتولد لدى الطفل الإحساس بالخوف الدائم والرعب جراء الصور المخيفة التي تعكسها الشاشة وتظل في ذاكرته لوقت طويل، لخوفه الشديد من الصور المرعبة للشخصيات الخيالية التي تتحول إلى وحوش، والمشاهد الدموية العنيفة التي تجسدها بعض الألعاب الالكترونية وغيرها، مما يعزز تكون شعور بالخوف المزمن لدى الطفل، الذي يؤثر بشكل سلبي في بناء شخصيته ونموها السليم.
والشيء المفزع هو محاولة إقناع الآباء أنفسهم خاصة الأمهات بأن الشاشة بمختلف أنواعها، تسكت الطفل عن البكاء، وتكفه عن إثارة الفوضى والشغب، وإعطاء الأم الوقت الكافي للراحة والاسترخاء، دون إدراك التأثير السلبي على صحته ونموه، فكيف نتصور النمو العقلي للطفل الذي يبلغ من العمر شهر ثناء وضعه أمام شاشة التلفزيون لمشاهدة القنوات الغنائية الخاصة بالأطفال والرسوم المتحركة، التي تمثل عالما أكبر من عالمه، وأصبحت آثار هذا الفعل السلبية تظهر جلية وبشكل لافت مع نمو الطفل الجسمي من جهة، وتأخر نموه العقلي من جهة أخرى.
إن كل هذه المخلفات السلبية لتعامل الطفل مع الشاشة، تحيلنا إلى ضرورة تصحيح مسار وعي الطفل بخلق بيئة مناسبة لولادة طبيعية له من خلال إعادته إلى الواقع، والحرص على نمو عقله بطريقة سليمة بفتح مجال التحدث إليه والتواصل معه، ومنحه إحساسا بالأمان والطمأنينة، و منحه فرصة للعب مع أقرانه، وممارسة أنشطة تفتح له المجال لنمو عقلي سليم، وتربيته التربية الدينية والأخلاقية السليمة بعيدا عن الشاشة التي لا تقدم للطفل بيئة يستجيب معها شعوريا، وتؤثر بشكل كبير على انتمائه الفعلي لواقعه ووعيه الحقيقي به.

إعداد: دليلة قدور

2 Comments

  1. ntaileb

    بالتوفيق .. فعلا لابد من إعادة مراجعة لمعادلة الطفل و التكنولوجيا

  2. شكرا على الموضوع

Leave a Reply