ثقافة وفنون

التطفل على الكتابة ظاهرة مرضية : بقلم الكاتب الأستاذ  » لخضر بن يوسف « 

إعداد: دليلة قدور

ظهرت في السنوات الأخيرة على سطح المشهد الثقافي الجزائري ظاهرة «الكتب الجامعة »، ومعها بدأ الكُتاب يتسارعون كلّ عام لإصدار كتبهم تزامنا مع المعرض الدولي من أجل تسجيل بعض الحضور ليس إلاّ، حتى وإن كان حضورا بمعناه الرمزي أو الاستعراضي لا أكثر ، ظاهرة الكتب الجامعة التي نلاحظها اليوم أصبح كُتابها كالمشاهير يقف جمهور القراء في طوابير للفوز بصورة أو توقيع من عندهم، وأصبحت الكتابة مرتبطة بعوالم خارج النص أكثر مما في داخله ، حيث تراجع مستوى النصوص يجعلنا نتساءل هل هذا الأمر “ظاهرة مرضية”
الأكيد أن الأمر له مسببات وردود أفعال؟ إذ يرجع أصل المسألة إلى سهولة أن يصبح لدى أي شخص كتاب مطبوع بسبب انتشار دور النشر، وغياب دور الناقد الذي يضع يده على النصوص الجيدة ، أيضا نشر الخواطر على صفحات الفيسبوك والمدونات التي تتحول فيما بعد إلى كتب مطبوعة. كذلك غياب الكاتب الذي يربط بين القيمة الأدبية والجماهيرية هذه أبرز أسباب الكتابة ونشر الكتب الجامعة
المسؤولية كبيرة اليوم على النقاد والنشر الإلكتروني والكم الهائل من دور النشر، وبكل بساطة هذا “الظاهرة ” لن تصمد طويلاً ، وفي المقابل يمكن أن نضيف سببا آخر لهذه المسؤولية ألا وهو “غياب لجان القراءة الجادة في دور النشر” و”المجاملة في النشر على صفحات المطبوعات”.
كما ، أن جمهور قراء بعض الكتب التي أصبحت اليوم الأكثر مبيعا وتتجاوز طبعاتها الرقم 10، هم أصحاب الفئة العمرية التي تجاوزت العشرين بقليل وبالتالي هذه الكتابات هي النموذج الأمثل للقراءة. وبعد زمن سيكتشفون ضحالتها ، ومع ذلك لا بد من مناقشة “لماذا هذا الإقبال الزائد على الكتابة؟”
هناك تهافتا كبيرا على النشر، إذ شهدت الساحة الثقافية في السنوات القليلة الماضية سيلا من الكتب والإصدارات، وبالذات في الرواية والشعر، الغث فيها أكثر من السمين.
لكن في المقابل تعالت موجة كبيرة من الأصوات الرافضة لاستشراء هذه الظاهرة ؛ فقد نسمع صوت النقد من حين لآخر، في مختلف المنابر الثقافية، منذرا بخطورة استسهال الكتابة من قبل كل من هب ودب، وجسامة التطاول على الأدب والإبداع من قبل أناس بعيدون عن هذا المجال بمئات الآلاف من السنوات الضوئية.
حقيقة ظاهرة الإسهال في كتابة الرواية بالذات دون الشعر ، يمكن تصنيفها ضمن الأمراض المزمنة المستعصية التي أصابت الأدب العربي في الصميم ، مأتى هذه العلة هو تناسل الجوائز ذات العلاقة بالرواية على المستوى الوطني والدولي بصفة هائلة ، وكذلك إلى دور وسائط التواصل الافتراضية التي حطمت كل الجدران وانتهكت كل الأصول والمعايير المتعارف عليها. في حين علينا أن نتفق في البداية على أن هذه الظاهرة صحية جدا، لأن لها مبرراتها ومسوغاتها التي دفعتها إلى البروز والطفو على السطح بهذا الشكل الواسع والفج.
المشكلة في نظري أعمق من التنديد بالتهافت على النشر، إن الكتابة كما هو متعارف عليه مهنة المتاعب وعندما نصفها بهذا الشكل فإننا نضع الكاتب أمام مسؤولية كبيرة لا تجاه المجتمع فحسب، وإنما تجاه ذاته أيضا وفيما يخص علاقة النقد بما ينجز، لا يمكن للعملية النقدية أن تساير هذا الكم الهائل من المنجزات الكتابية وفي جميع المستويات، على الرغم من الجهد المبذول من قبل النقاد في متابعة كل ما يمكنهم متابعته، وهذا ليس حديثا.
ففي العصور القديمة أيضا كان هناك الآلاف من الشعراء ولكن عدد النقاد كان متواضعا لو قارناه مع الشعراء. إذن العملية ليست سهلة ولاسيما بعد أن أصبح النقد في مساره الحداثي وما بعد الحداثي نصا آخر حسب أصحاب نظرية التلقي واستراتيجيات القراءة.
لا تكمن المشكلة في الكاتب بقدر ما تكمن في القارئ الذي يبحث عن متنفس لعزلته وانهياراته أو يبحث عن علاقات إنسانية قد أعدها فاشلة من الأساس نحو الأعمال التي تتميز بالفقر الإبداعي والمعرفي واللغوي، وضعف الخيال، وانعدام الموهبة، وعدم التحكم في الأدوات الفنية للكتابة. فمن يفتح أي عمل من تلك الأعمال، يلحظ كم الأخطاء اللغوية والنحوية والمطبعية المرتفع، والزلات الفنية غير المقبولة، وغيرها مما تتسم به من سطحية في الطرح، واستغفال القارئ، يتحمل النقد كذلك مسؤولية كبيرة عن تفشي هذه الظاهرة، خصوصا وأن صوت النقد أضحى خافتا، بالكاد يسمع، وهناك الكثير من النقاد الذين لا يقرأون، ولا يكلفون أنفسهم عناء تتبع الإصدارات الجديدة. وهناك أيضا الكثير من الأعمال الجادة والمتميزة ولا يوجد من يكتب عنها! في السابق كان النقاد يكتشفون المواهب والأعمال الجادة، وبالتالي يتحول الكُتّاب المغمورون إلى كتاب مرموقين بفضل النقاد، لكن المفارقة اليوم أن النقاد لا يقرأون ولا يكتبون، ولما يشتهر كاتب ما وترتفع مبيعات كتبه، يكتبون عنه مدحا أو ذما كي يخطفوا منه بعض أضواء الشهرة.
وجه آخر للمشكلة مرتبط بالناشر، فنسبة مهمة من دور النشر أضحت أشبه بالمطابع بمعنى تنحصر مهامها في طبع الكتاب واستلام مقابل مالي من المؤلف، ولا يهم إطلاقا مدى جودة العمل المقدم للنشر. في حين تتقاعس الجهات والهيئات المعنية عن القيام بمهامها وأدوارها في كبح هكذا ظواهر مرضية تضر بالكتاب والثقافة.
من جهة أخرى، يمكن الحديث عن شبكة العلاقات التي ينسجها أولئك المنتحلون لصفة الكُتَّاب، فالمعارف والمكانة الاجتماعية والفئة الطبقة التي ينتمي إليها هؤلاء، لهم دور مهم في استشراء الظاهرة وشيوعها كل هذه الأسباب وغيرها، جعلت هذه الظاهرة تعرف انتشارا كبيرا وامتدادا تجاوز الحدود والأعراف
صراحة أنا لا متشائم ولا متفائل، فقط في منطقة من الحيرة والقلق والسؤال والإحساس بالخسارة، كان يمكن فعل الكثير، وربّما لم يذهب الوقت بعد لفعل هذا الكثير، ولكن لا أظن هنالك رغبة في الذهاب إلى العمق ولهذا السطحية والرداءة تقتل فينا كلّ يوم حس المقاومة وتسقطنا في شلل الانتظار.
ليبقى في الأخير القول أن ظاهرة التطفل على عالم الكتابة ليست جديدة، صحيح أن هذه الظاهرة اتسعت الآن بشكل غير مسبوق، وذلك بسبب توافر وسائط النشر المتاحة، بيد أن كل هذا الركام الهائل من المنشورات لا يعني شيئا، وسوف يمر الزمن ويتخطاها، إن مثل هذا الزبد سيذهب جفاء ولا يمكن أن يصمد أمام الموهبة الحقيقية والنصوص التي تنتجها مواهب حقيقية هي وحدها التي تستحق الخلود.

Leave a Reply