ثقافة وفنون

في عيده الوطني المصادف ل19 ماي : الطالب الجزائري ووعيه الرسالي بين الأمس و اليوم

 الجزء الأول

« … الواجب ينادينا إلى تحمل الآلام ليلا و نهارا بجانب من يكافحون و يموتون أحرارا تجاه العدو، وعليه فإننا نقوم من الآن بالإضراب عن الدروس و الامتحانات لأجل غير محدود، فلنهجر مقاعد الجامعات و لنتوجه إلى الجبال والأغوار و لنلتحق كافة بجيش التحرير الوطني و بمنظمته السياسية جبهة التحرير الوطني… » بهاته العبارة المقتبسة من نداء الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين لإضراب 19 ماي من سنة 1956، كانت الاستجابة واسعة من الطلبة و التلاميذ لأداء واجبهم، فتركوا طموحهم العلمي و التحقوا بالجهاد المقدس ضد المستدمر الفرنسي في موقف مشرف استحقوا به الخلود.
و إذا كنا نستحضر هاته المحطة التاريخية الهامة كل عام، فهذا ليس من باب اجترارا الماضي وشحن العواطف بل إشادة بدور الطالب في صناعة المستقبل و تذكير من أهملوه في جزائر البناء بأنه طاقة إن أحسن إليها بان عطاؤها جليا للعباد و البلاد و إن أسيء إليها ظهر عطبها عصيا على الإصلاح بين استسلام لركود أو هجران قسري.
هذا، و نتساءل عن طالب اليوم هل يتساوى مع طالب الأمس في التحدي و الإصرار على الاجتهاد رغم قلة الإمكانيات، أم أن البون شاسع بينهما ؟ أين يكمن الخلل هل هي أزمة جامعة أم مجتمع؟ ما دور طالب اليوم في ظل تداعيات أزمة الكورونا على كافة المجالات؟ وهل يمكن لطالب اليوم الاضطلاع بدوره و يلتزم به من دون أن يكون مقتنعا بضرورة العمل على الارتقاء بمستوى الوعي الجماعي في المجتمع؟ أسئلة و أخرى طرحتها  » الأمة العربية » على عدد من الأساتذة و الطلاب و عادت بهاته الآراء.
الوعي التاريخي لطلبة الأمس كان الفيصل
تحدث الدكتور « قادة جليد » عن التاريخ الجزائري و قال إنه تاريخ متواصل لا يمكن أن نفصل بين الأمس و اليوم و الإشكالية الأساسية هي أن تكون لنا معرفة واعية و حقيقية بتاريخنا أي امتلاك و تأسيس وعي تاريخي و جماعي بما حققناه في الماضي و ما ينتظرنا أن نحققه في المستقبل.
وباعتبار الطالب من نخبة المجتمع، يمثل الأفكار والعقل الذي يعبر عن روح هذه الأمة، أشار الأستاذ « جليد » إلى أن الحركة التاريخية للطلبة و المتمثلة في إضراب الطلبة الثانويين والجامعيين يوم 19 ماي من سنة 1956 و التحاقهم بالثورة التحريرية المباركة أعطى نفسا جديدا للثورة في الداخل و الخارج، كما جعل الدعاية الاستعمارية في موقف صعب و محرج لأنها كانت تروج بأن هذه الثورة كانت عبارة عن عصابات و متمردين و قطاع طرق. معتبرا
الوعي التاريخي للطلبة الجزائريين بحقيقة الواقع و الصراع هو الذي جعلهم يدخلون إلى ملحمة التغيير الثوري و التحرر الوطني و يكونوا قدوة لغيرهم و يقدموا التضحيات الجسام من أجل قضية مقدسة و هي تحرير الوطن، لأن الشهادة الجامعية و الثانوية لا معنى لها في غياب الحرية و الكرامة و مستقبل عادل لكل أبناء الشعب.
على طالب اليوم الاحتذاء بطالب الأمس الأنموذج
من جهتها، أضافت الدكتورة « حياة قزادري » أن لا أحد منا ينكر دور الطلبة الجزائريون أثناء ثورة التحرير الوطني، و من الأجدر بطالب اليوم أن يكون سليل ذلك الطالب الأنموذج الذي برهن إبان الثورة التحريرية بأن لا قيمة لعلمه إن لم تكتمل معاني كرامته بالتحرر من الاستعمار الغاشم.
وأيدها في ذلك الدكتور « عادل زواقري » قائلا: « حين نتحدث عن الطالب في الجزائر فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا ذلك النموذج الرسالي للطالب الجزائري في فترة الاحتلال الفرنسي، خاصة بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث لم يكن الطالب مقترنا بالعلم فقط، إنما اقترن بالعمل والنشاط الجمعوي والخيري والاجتماعي، لأن علماء الجمعية أدركوا أن الطالب الحقيقي يجب أن يكون فعالا علميا واجتماعيا في الجزائر وخارجها خاصة في فرنسا التي احتلتنا حينها، لذلك نجد تاريخيا طلابا كثيرين كانوا جامعين لخصال الطالب الرسالي كالطلبة الناشطين في مجلة الشاب المسلم في فرنسا أمثال أحمد طالب الإبراهيمي، والطلبة الذين تخرجوا من معهد ابن باديس وعادوا لقراهم ومدنهم وما أكثرهم، من أجل نشر الإسلام الصحيح. »
وبناء على ما تم ذكره، ضبطت الدكتورة « غزلان هاشمي » تعريفا للطالب مفاده أن الطالب واحد من الفاعلين الثقافيين المهمين الذين يفترض بهم الانخراط في الواقع والإسهام في تغييره، كما أنه جزء أساسي من المنظومة المعرفية ومركزيته تتأتى من موضعيته لا كمتلق سلبي فقط، وإنما كمحرك وكمسائل لجدوى هذه المنظومة وكمفكك لسلطتها، و هذا من خلال الارتكاز على الوعي و التحرر من سطوة الاختلافات والأوهام ليميز بين الحقائق والالتباسات المصاغة إيديولوجيا، كذلك عدم الاكتفاء بالدراسة النظرية والتحصيل المعرفي المنغلق، مع استثمار المفاهيم وتفعيلها بالخروج من قوقعة الكتابة والبحث وتطبيقها على أرض الواقع.
ومن خلال هذا التعريف، نتساءل هل هذه الخصوصيات متوفرة في طالب اليوم؟ و كيف يمكن إحياء طالب الأمس الأنموذج في طالب اليوم مع مراعاة ظروف العصر؟
في حقيقة الأمر، أننا حين نقرأ تاريخ الأحداث والأشخاص فإن العبرة من ذلك كما ذكر الدكتور « عادل زواقري » هي إحياء النموذج المفقود في الأفكار والأشخاص مع ضرورة مراعاة العصر وأحداثه، فضلا عن إبلاء الاهتمام بالطالب كباقي الأمم المتحضرة من منطلق أنه عنصر فعال في الأمة، وهذا الأمر ليس بالعسير علينا.

أي وضع يعيشه طالب اليوم؟
في هذا السياق، أوضحت الدكتورة » غزلان هاشمي » أن الإمكانيات المتاحة قليلة في الجزائر كأي بلد عربي، وأن المعوقات بكل أنواعها تجابه أي باحث وأي مبدع وتعثره، وأن الطالب يعاني في ظل سياسات تعليمية بعيدة عن الترشيد والعقلانية، إذ يتم تهميش معاناته وتغييب إنسانيته والنظر إليه كرقم داخل حيز زمني ومكاني محددين. داعية الطالب أن يتحلى بالقليل من الصبر مع احتدام الأزمة، وأن يتعامل بمرونة مع المتاح من أجل تلقي المعارف وفق الطرق التي تقتضيها الضرورة أو اللحظة الراهنة المعاشة، ذلك أننا لسنا استثناء، وما يحصل في العالم يفرض تكاتفنا وتعاوننا من أجل تجاوز الأزمة ومعوقاتها .
لا مجال لتبرير الضعف المعرفي و الثقافي للطالب…
وفي رأي مغاير، ركز الأستاذ  » حسين عبروس » في تدخله على أنه لا يجب البحث عن مبررات الضعف المعرفي والثقافي عند الطالب مهما كانت الظروف. مقرا بوجود خلل كبير في منظومتنا التربوية والجامعية من حيث صياغة المناهج والبرامج، ضعف التكوين للأساتذة و كذا غياب مشروع للبحث التربوي والعلمي الذي يرافق مسيرة الطالب في حياته الدراسية.
وذهب الأستاذ « عبروس » لعقد مقارنة بين الطالب الجزائري بالأمس و اليوم قائلا:  » الطالب الجزائري بالأمس كانت ظروفه أشد قسوة من جميع الجهات الفقر والحرمان وعدم توفر الظروف المناسبة لمتابعة الدراسة ، ورغم ذلك كان عنده رغبة قوية في مواصلة الدراسة والتحصيل العلمي بشتى الطرق، وكان التنافس غايته المثلى والبحث والتنقيب عن المعلومة والحصول عنها تقصيا وتتبعا، وذلك بكل سعادة وكانت معلوماته لا تتوقف عند ما يعطيه الأستاذ بل يظل الكتاب رفيقه الأوحد في كثير من الأحيان، وكانت النشاطات الثقافية دائمة تعبر عن المستوى العام للطلبة، أما اليوم فقد أصبح الطالب يميل كثيرا إلى الدلال، فالجهات الوصية تدلل و الأسرة تدلل، بالإضافة إلى عدم تكليف الطالب نفسه عناء البحث و الجهد مع توفر الوسائل التكنولوجية الحديثة في التواصل، وأصبحت شبكة الأنترنت هي زاده ومعينه حتى وان كان ما يحصل عليه من معارف ومعلومات فيها الكثير من الشك والخلط، كما أصبح الغش قاعدة مبرمجة لدى الجميع من أطفال المدارس الابتدائية إلى المتوسط والثانوي والجامعي، وأصبح تساهل إدارة المؤسسات التربوية والتعليمية هي الدافع القوي لذلك الضعف الذي عم مدارسنا وجامعاتنا إلا مارحم الله، وفي هذه الأيام كل الطلبة يتطلعون إلى نجاح جاهز تتصدق به الجهات الوصية لترضية الطالب والأولياء، وكأن الطالب عندنا وحده هو الذي تحاصره جائحة الوباء كورونا، أتمنى أن تكون هناك قوانين وقواعد صارمة في حق أبنائنا المتهاونين والمتكاسلين وذلك لأن رقي الأمم والشعوب لا يكون بالسهولة المطلقة والدلال الزائد. » ــــ يتبع ــ

اعداد دليلة قدور

Leave a Reply