ثقافة وفنون

مراسلات النبي صلى الله عليه وسلم إلى زعماء العالم في عصره : الأستاذ الدكتور: موسى معيرش ـ الجزائر ـ

) الجزء الثاني و الأخير (

والحقيقة أن ما نقلناه هنا، يكشف بما يدع للشك رغبة إمبراطور الروم في معرفة حقيقة رسالة محمد، خاصة بعد أن وصلته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بالدخول في الإسلام، ننقلها هنا أيضا كما وردت في البخاري:
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ،ويَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ « .
وسواء أكانت رغبة هرقل فعلا الدخول في الإسلام، وما منعه ذلك إلا خوفه من ردود أفعال حاشيته، أم كانت منه حركة دبلوماسية ذكية، فقد استقبل الدعوة باحترام وتقدير، وأرسل بعض الهدايا للنبي.
غير أن هذه المودة الظاهرة لم توقف الروم وأطماعهم في السيطرة على بلاد العرب بعد أن تنبه هؤلاء لخطورة اجتماع العرب ووحدتهم، مما يفقدهم مناطق نفوذ كثيرة، فقرروا مهاجمة المدينة المنورة والقضاء على عاصمة الإسلام، غير أن النبي بحنكته وبفضل جهازه الاستخباراتي قرر مباغتته القوم وأنصارهم من نصارى العرب، فجهز لهم جيشا قاده بنفسه، ووصل إليه حتى منطلقهم وهي تبوك، ولم يجد جيش الروم هناك. وفي الوقت نفسه أرسل خالد بن الوليد لدومة الجندل، فأسر أميرها وعاد. وقد انتهت الغزوة بصلح مع أمير تبوك وأمير دومة الجندل على أن يدفعا الجزية، فكانت هذه الغزوة عبارة عن انتقام من معركة مؤتة التي كاد فيها جيش المسلمين أن تصيبه هزيمة نكراء بعد قتل ثلاثة من قادته ولكن حنكة خالد بن الوليد جنبتهم ذلك بعد أن تمكن من الانسحاب بالجيش عندما تبينت له عبقريته العسكرية الفذة استحالة الوقوف أمام جيش النصارى بما لديه من قوات.
ما تجدر الإشارة إليه هناك أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم مع النصارى جميعها دفاعية، فهي إما انتقام لمقتل مبعوثيه كما شأن معركة ذات ألاطاح، بعد أن قتل أهلها خمسة عشر داعية من دعاة الإسلام أو استباقا لمهاجمتهم مدينته، كما هو شأن تبوك، عموما فقد كان يسعى بحكمة السياسي المحنك والنبي الرحيم لاستمالتهم أو على الأقل تحيدهم ومنعهم من مهاجمته.
ثانيا: دعوة كسرى ملك الفرس
العلاقة بين العرب والفرس تاريخية، غير أن السيطرة في مجملها كانت للفرس، والعرب مجرد أتباع وحلفاء، وبمجيء الإسلام، وتغلبه على قبائل العرب، قام النبي صلى الله عليه وسلم بمراسلة الإمبراطور الفارسي برسالة حملها عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة، جاء فيها: » بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك  » على غير المتوقع، فقد كانت ردة فعل ملك الفرس غير محسوبة، ولم تراع الأصول الدبلوماسية،فأغتر بقوته، معتقدا أن هذه الرسالة، لا تعدوا أن تكون صيحة رجل لا عقل لها.
ولهذا نجد الرجل يغضب من ورود اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبل اسمه، ويظهر لنا أن أجهزة الرجل الاستخباراتية لم تقدم له معلومات تسمح له بتقييم الأوضاع تقيما جيدا على عكس إمبراطور الروم، كما أسلفنا الذكر.
فقام بتمزيق الرسالة، وأمر عامله على اليمن بأن يرسل رجلين من أقوى رجاله لأرض العرب للإتيان بمن تطاول عليه، وفي هذا السياق يذكر صاحب البداية والنهاية: » ثم كتب كسرى إلى باذام وهو نائبه على اليمن، أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، رجلين من عند جلدين فليأتياني به، فبعث باذام قهرمانه – وكان كاتبا حاسبا – بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخسرة، وكتب معهما إلى رسول الله يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى » الغريب أن عامل كسرى أرسل رجلين للقيام بمهمة، وعندما وصل للمدينة التقيا النبي صلى الله عليه وسلم وطلبا منه الذهاب معهما لكسرى، غير أنه أخبرهما بحدوث انقلاب قام به ابن كسرى المسمى شيرويه على والده أبرويز، واستلم بموجبه السلطة، فعادا إلى عامل اليمن، فأخبراه بذلك، فتعجب الوالي من ما نقله إليه، خاصة أن خبر الانقلاب لم يصله بعد، ولم يلبث كثيرا حتى وصله الخبر اليقين بما حدث في قصر كسرى، مما جعل الرجل يسلم لله هو وأهل اليمن، فكانت هذه الحادثة سببا في إسلامه مع أتباعه وانضمامهم للمسلمين.
وتنقل لنا مختلف المصادر التعامل المختلف مع الرسل، بين النبي وكسرى، ففي الوقت الذي لم يتمالك نفسه الأخير عندما وجد أن الرسالة التي أرسلت إليه من النبي صلى الله عليه وسلم واشتعل غضبا لمجرد أن اسمه لم يأت أولا، مع أن أدب الرسائل يقتضي ذلك، فقام بتمزيق الرسالة دون أن ينتظر معرفة ما فيها، ومع أنه ندم على ذلك فيما بعد، أي عندما سأل عن حاملها لكنه وجده قد غادر، فما كان منه إلا مراسلة عامله على اليمن طالبا منه كما ذكر إرسال من يأتيه به.
وفي المقابل نجد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدبلوماسية وحكمة، يستقبل رسل كسرى-إن صح تسميتهم بالرسل-بابتسامة جميلة طالبا منهما الانتظار للغد، مع رعايتهما، ليخبرهما فيما بعد وبأدب بأن سيدهما أطيح به في انقلاب عائلي قاده ولده وأقرب المقربين منه، طالبا منهما تبليغ ذلك لحاكم اليمن ونقل الرسالة الشفوية التالية إليه: »وَقُولاَ لَهُ أَيْضًا: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي إِلَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ. وَقُولاَ لَهُ: إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكِ من الأبناء »، ونتيجة ذلك، سقوط عرش كسرى، وكسب النبي البلاد الشام وحاكمها.
ثالثا: دعوة المقوقس حاكم مصر
علاوة على الرسائل التي بعثها النبي لهرقل وكسرى، فقد أرسل رسالة أخرى للمقوقس جريج بن منيا حاكم مصر آنذاك، نقلها إليه حاطب بن أبي بلتعة، وتذكر العديد من المصادر أن هذا الأخير قبل أن يسلم الرسالة جرى بينه وبين المقوقس حوار، حذر فيه المقوقس من خطورة الأمر ، وفيما يأتي نص هذا الحوار ، كما نقلته العديد من المصادر التي تحدثت عن هذا اللقاء، منها دلائل النبوة: » قال المقوقس: هلم أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيًا؟ قال حاطب: بلى هو رسول الله .قال المقوقس: فما له حيث كان هكذا ألم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ أجاب حاطب: عيسى بن مريم ألست تشهد أنه رسول الله؟ قال المقوقس: بلى! قال حاطب: فما باله حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه.. ألا يكون دعا عليهم؟ رد المقوقس: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم وكان مما قاله حاطب للمقوقس: أنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فرعون فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك، وأضاف حاطب: إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى.. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى – عليهما السلام – إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قومًا منهم أمته وبالحق عليهم أن يطيعوه فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح – عليه السلام – ولكن نؤمك به. فأجابه المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب عنه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكذاب ووجدت معه آله النبوة بإخراج الخبء والأخبار بالنجوى وسأنظر »، وبعد ذلك سلمه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، التي جاء فيها: » بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط• سلام على من اتبع الهدى، أما بعد• فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين• فإن توليت، فعليك إثم القبط• يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ».
ويبدوا من ردة فعل المقوقس أنه كان يتمتع بحس وذكاء، فهو لم يقبل دعوة الإسلام لكنه لم يرغب في معاداته، لذا نجده يرد عليه برسالة دبلوماسية، كتب فيها: » لمحمد بن عبد الله من المقوقس، سلام، أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا بقي، وقد كنت أعلم أنه يخرج من الشام. وقد أكرمت رسلك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها » .
ومما سبق يتضح لنا أن مراسلات زعماء العالم في هذه المرحلة من تاريخ الإسلام كان الهدف منها الإعلان عن ميلاد مجتمع جديد له مكانته في خريطة العالم، وعلى الجميع أن يفهم أن هناك الكثير من الأمور قد تغيرت في بلاد العرب، ولا أخال النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتقد أن من راسلهم سيدخل الدين الجديد في هذه الفترة ولكنه يعلم المسلمين أن وظيفة هداية العالم ستكون على عاتقهم بغض النظر عن موازي القوى التي قد تكون مؤقتا لغير صالحهم.

إعداد: دليلة قدور

2 Comments

  1. هدي الرسول صل الله علية وسلم

  2. صل الله عليه وسلم

Leave a Reply