ثقافة وفنون

مثالب المبدع والإبداع عند العرب المعاصرين : بقلم الأستاذ الدكتور بومدين جلالي ) الجزء الثالث والأخير(

إعداد: دليلة قدور

من هنا كان الإبداع الأدبي كتابة ولكن لم يقل أحد إنّ كل كتابة إبداع باستثناء ما يحدث عند معظم حملة القلم العربي في هذا الزمن الأخير إذ فقدت في كتاباتهم مصطلحات مثل  » رواية »،  » شعر »،  » مقالة أدبية « ،  » مسرحية  » وغير ذلك معانيها كلها أو بعضها بسقوط الأدبية من نسيجها الفني وضعف أدائها اللغوي إلى جانب رداءة مضامينها التي أخرجتها من دائرة الفن للفن كما أخرجتها من دائرة الفن للحياة وحولتها إلى منشورات دعائية مقززة فارغة من أبسط ما ترتكز عليه جملة إشهارية موجهة للسواد بغية لفت انتباهه إلى منتوج ما … ومن باب الاستئناس؛ أقترح على المهتمين والمهتمات مقطعا من قصيدة همزية طويلة في بحر المتقارب لشاعر سوداني يصف فيها هذا الوضع المزري بطريقة شبه فكاهية تتلاعب على تبديل الحروف ، قال : –
أيَا كـــاتباً ( طابَ ) فيـك الرّجاء … و( طابتْ ) مساعيك والطّاءُ خاء
( بليـــغٌ ) كما قيـــل والغيْــن دالٌ … ( خبيرٌ ) نعمْ أنْتَ والـــرّاءُ ثــاء
( عظيـمُ ) المبادئ والظـــاءُ قافٌ … ( سليمُ ) العبـــــارة والميـمُ طاء
مدحْتَ ( الغواني ) والغيْـــنُ زايٌ … ورُمْتَ ( الفضائلَ ) واللامُ حاء
وشدْتَ ( قصور ) الفضيلة عُمْراً … فصارتْ بفضلك .. والصّادُ باء
كتبْتَ ( الرّوايةَ ) والـــــرّاءُ غَيْنٌ … وكانَ ( الثّنـا ) منْك والثاءُ خاءُ
06 – تورط الحركة النقدية في ازدهار مثالب الإبداع
النقد الأدبي العربي في الزمن الأخير ليس نقدا في معظمه بالمعنى الذي ورد في تراث العرب ولا في الثقافة الغربية وإنما هو شيء لا يخلو ممّا يجسّده اختلال الحياة السياسية العربية الراهنة. فمرة تراه نشاطا مهنيا يجري وراء الشهادات من أجل التوظيف والترقية فيه والقليل من الشهرة – إذا أمكن – من دون زاد محترم غالبا، وهو غارق في مثلثاته ومربعاته وتأرخته المنحازة لهذه الجهة أو تلك بغير وجه حقّ. ومرة تراه خطابا إيديولوجيا رافعا راية العلمانية بشقيها اليساري أوالليبرالي وهدفه الأول هو تحطيم المقومات المجتمعية العربية كلها وعلى رأسها الدين الصحيح واللغة الفصحى. ومرة تراه تقعيدا للأنا المنتفخ ضمن طائفة أو عرق أو إقليم أو جهة من الجهات بهدف تثبيت هذه الأقلية أو تلك العصبة / العصابة وإلغاء الآخرين أو تهميشهم على الأقل. ومرة تراه يدور في فلك العلاقات الخاصة الملتفة حول مصلحة من المصالح أو شذوذ من الشذوذات. ونادرا – بل نادرا جدا – ما تراه يسعى إلى إبراز أدبية النص الإبداعي الراقي ومناقشة المضامين المساهمة في بناء فن أدبي عربي يؤسس لثقافة عربية تنشط من أجل غد صحّيّ تتقلص أورامه وتقل آلامه التي أنتجها زمن الرداءة والتكالب على وأد كل جميل وتشويه كل أصيل … وهذا القسم الأخير لا يجد الصاغي المشهر له ولا المشجع المنصف، بخاصة لدى الرسمين والنافذين وعموم النخب الملوثة المسيطرة على أنفاس العباد والبلاد …
وهكذا أصبح النقد معْول هدم يشارك في التحطيم العام بالصورة ذاتها المطبقة في حقل الإبداع وغيره من الحقول – بقصد عند الرؤوس المنظرة المخططة وبدونه غالبا عند الأجيال الجديدة التابعة لهذه الموجة أو تلك بغير علم يذكر ولا حصانة قيمية – وهذا ضمن الدور المنوط للأطراف المهمشة في علاقتها بالمركز الغربي الملتف على العالم برمته، وضمن ما تهدف إليه العولمة المقولبة للأطراف المستضعفة في قالب هذا المركز المهيمن باستخدام الحروب الضرورية كلها، من السياسية إلى العسكرية إلى الاقتصادية إلى الثقافية إلى غيرها، لتنتصر بشكل أبدي نظرية نهاية التاريخ التي قال بها المفكرون الإستراتيجيون لهذا الغرب الطاغي بقوته الظالم لغيره الهادف إلى بقاء نظمه وخصوصياته دون سواها من النظم والخصوصيات.
وفي الختام؛ أقول بيقين : إن الاستثناء يبقى قائما في الإبداع والنقد والفكر وغير ذلك من أمور الحياة، ورغم قلته وضعفه في راهن هذا الزمن المرير إلا أنه بإمكانه أن يتحول من قلة إلى كثرة ومن ضعف إلى قوة إذا استطاع أن يستوعب تاريخنا النضالي الكبير – بالمفاهيم الوطنية والقومية والدينية والثقافية مجتمعة متآزرة، في كل المجالات وباللسان العربي – ويستلهمها ويستثمرها في حراك إحياء نهضوي جديد لا يلغي إلا مَن ألغى نفسه بانتمائه إلى الآخر المعادي لوجودنا والعامل على إزالته … هنالك فقط ينتهي عصر الرداءة المهددة للوجود العربي ويبدأ عصر الجودة التي باتت مطلب الشعوب العربية كلها دون أن تعرف الطريق الصحيح المؤدي إليها…………انتهى

Leave a Reply