ثقافة وفنون

مثالب المبدع والإبداع عند العرب المعاصرين : بقلم الأستاذ الدكتور بومدين جلالي

« الجزء الثاني »

ومن أبرز مثالب كتابنا المتجلية في كتاباتهم العربية المعاصرة التي قمت بتفحصها ما يلي : –
01 – التأسيس على الفراغ والهامشي
لقد بتنا نعلم أن المدرسة العربية في عمومها وبجميع جنسياتها لم يصبح هدفها الأول هو صناعة العلماء والأدباء وكبار الفنيّين الذين يساهمون بمهارة عالية في بناء الفعل الحضاري المتطور وإنما وقفت طموحاتها الراهنة في الاحتفاظ بالشباب داخل المؤسسات التعليمية أكبر مدة ممكنة إضافة إلى توزيع شهادات شبه مغموزة بغية التوظيف العادي، وذلك بحثا عن السلم الاجتماعي واستباقا لأي تمرد على أنظمتها المثيرة للجدل بتصرفاتها اللامسؤولة. وعليه؛ لقد تراجع الأداء المعرفي ومهارات التكوين والبحث بشكل فظيع وحل محلها تثقيف الترقيع والجاهز والهامشي المسطح وما يجري هذا المجرى. وهذا ما يتراءى من غير جهد كبير في إنتاجنا المعرفي العام وفي نصوصنا الإبداعية بصورة خاصة. فعندما يقرأ المتلقي عملا من الأعمال المعنية لا يجد في ثناياه عمقا ثقافيا يستدعي التفكير ولا حسا جماليا يرضي الذوق ولا جديدا قد تحرّر من الرث المستهلك المقزّز … وهكذا أصبح إبداعنا – الذي لا علاقة له بالإبداع – مهتزّا فنيا، فارغا من حيث الإحالات على معرفة عميقة بقضايا الحياة، هامشيا من حيث الطرح، تماما كحقيقة منتجيه.
02 – ارتباط الإبداع بالبلاطات
من حيث الارتباط بالسياسات العربية الراهنة ينقسم الإبداع العربي إلى ثلاثة أقسام، أولها يوالي السلطة – طمعا ونفاقا غالبا – وهو مؤسس على الصراخ والمدح، وثانيها معارض للسلطة – طمعا ونفاقا غالبا أيضا – وهو مؤسس على الصراخ والقدح، وثالثها لا هذا ولا ذاك وإنما هو هامشي تائه في المسطحات والغرائز، والصمت أمام الأحداث المفصلية هو توصيفه الرئيس… وهذه الأقسام برمتها تلتقي في خدمة البلاطات المغضوب عليها لأنها تقتسم أدوار الداعية الإشهارية لها، وامتصاص الغضب الشعبي عنها، ونشر اللامبالاة بين العامة بما يحدث من انكسارات متعددة في واقع الشعوب العربية ودولها.
03 – البحث عن مرضاة الآخر المختلف
ما إن يظهر المبدع العربي المعاصر قليلا على مستوى الإعلام المطعون في مهنيته ومصداقيته وانتمائه حتى يغدو همه الأساس واهتمامه الأول ليس هو تعميق أدائه الفني والالتحام بشعبه وثقافة انتمائه وإنما هو الهوس بمرضاة الآخر المختلف والمعادي للوجود العربي بصور قديمة وجديدة لتجليات العداء… فأهل مشارق الحيز الجغرافي العربي تستهويهم مرضاة الناطقين بالإنجليزية وأهل مغاربه تستهويهم مرضاة الناطقين بالفرنسية، لضرورة نادراً وبدون ضرورة غالباً، حتى وصل بهم الهوس أحيانا إلى أنّ مَن تُرجمتْ له بعض الصفحات الرديئة إلى إحدى اللغتين المشار إليهما قد أصبح مبدعا عالميا، وهو قاب قوسين أو أدنى من جائزة نوبل أو ما يضاهيها … والأكثر مرارة وخطورة من ذلك هو أن بعض هؤلاء الكُتاب ناصب العداء جهارا نهارا للغة العربية إمّا بالدعوة إلى التخلي عنها تماما والكتابة بغيرها من اللغات أو بمزجها بهذه اللهجة الدارجة أو تلك أو باستبدالها بلهجة محلية بدعم واضح من اللوبيات الغربية التي لم تتخلّ أبدا ولو بمقدار ذرة عن نزعاتها الاستعمارية الكولونيالية القديمة بل طورتها بإخراجها من الطابع العسكري وإدخالها في الطابع الثقافي التعليمي انطلاقا من العمل على تهديم اللغة الرئيسة رمز الهُوية ووعائها الذي لا بديل عنه ولا مستقبل بدونه …وضمن هذا التوجه الهادف إلى إرضاء الآخر مهما كان الثمن ذهبت جمهرة من كتابنا إلى اعتناق الطرح العلماني المتطرف فتنكروا لكل قيم المجتمعات العربية وأخلاقياتها ودينها كما احتقروا تاريخها الجهادي النضالي الطويل بما فيه من رموز مختلفة واستهجنوا قضاياها المركزية مثل القضية الفلسطينية التي أصبح بعضهم ينظر لمقاومتها الشرعية على أنها إرهاب وينظر إلى جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي على أنها حرب من أجل السلام ويدعو إلى التطبيع مع إسرائيل بصريح العبارة. وبالتوازي مع هذا الموقف المخزي الجريء؛ دخل عدد معتبر من كتابنا في صمت مطلق وكأن ما يحدث في فلسطين وفي غيرها من هذا البلد العربي أو ذاك لا يهمهم، لا من قريب ولا من بعيد … وترتب على هذا ظهور قطيعة واضحة بين النخب – ومنهم أهل الإبداع – وبين المجتمعات العربية المجروحة في كرامتها والمهددة في وجودها.
04 – سيطرة التيمات الثانوية والهامشية
مع الخروج من عصر والدخول في عصر آخر، وللعوامل المذكورة سلفا وغيرها؛ لقد فقد المبدع العربي انتماءه أو كاد أن يفقده فغابت تيماته التحررية والبطولية المعتزة بأمجادها العريقة والمدافعة عن حقها في الوجود المعاصر بحرية مجتمعية كاملة وسيادة لا غبارعليها، وحلّت محلها مَوْضَعة أخرى تتمسرح حول الأنا الشاذ والمستضعف أمام الآخر وتدور حول تمجيد السلوكات المدمرة للخصوصية المحلية ولإنسانية الإنسان معاً والمهددة للوجود الصحي الطبيعي مثل اللواط والسحاق والعهر والمخدرات والاغتراب الناتج عن التنكر للانتماء والتشبّه بالآخر الذي يبقى الآخر في مقابل الأنا مهما مارس هذا الأنا على ذاته وهويته من مسخ وفسخ ونسخ …من هنا أصبح الأدب على المستوى الشعبي يوصف بقلة الأدب كما أصبحت الثقافة توصف بالسخافة … والأمر الغريب حقا هو أن التيمات المذكورة أصبحت تتكرر في كل حدب وصوب بمنزع غرائزي عدواني يجعل الذي لا يعرف المجتمعات العربية يعتقد أن مشاكل العرب ستحل حلّا جذريا إذا ما أصبحت نساؤهم عاريات وشبابهم شاذّاً والدياثة ترافق كل رجل منهم ونُبشتْ قبور رموزهم و ديست مقدساتهم وأزيلتْ خصوصيتهم وتنكروا لتاريخهم ولبعضهم وجعلوا أعداءهم إخوة أصدقاء لهم وتنازلوا عن ممتلكاتهم وسيادتهم لمرتزقة الغرب الطاغي وعملائهم بينما العكس المطلق هو الصحيح .
05 – رداءة الأداء الفني
ما يميّز النص الأدبي عن غيره من النصوص بأنواعها المختلفة هو أدبيته المؤسسة على جماليات الأداء اللغوي الصحيح وتماهيه مع طبيعة الجنس الذي تمت ضمن إطاره الكتابة الإبداعية، ولا حرج إن استعار جنس ما من جنس آخر بعض شعريته لضرورة فنية من الضرورات… ويبقى تطويع اللغة بجمالية عالية ومهارة معرفية راقية هو جوهر تشكيل النسيج التعبيري الأدبي حين تناوله لشعور ما أو فكرة ما أو حدث ما، تماما كما يحدث في الألوان مع فن الرسم وغير ذلك من الفنون مع موادها المرجعية … ـ يتبع ـ

1 Comment

  1. بديع السماوات والأرض
    صدق الله العظيم

Leave a Reply