ثقافة وفنون

مثالب المبدع والإبداع عند العرب المعاصرين : بقلم الأستاذ الدكتور بومدين جلالي

« الجزء الاول »

امتلأ الفضاءان الورقي والافتراضي بالكتابات التي تصنّف نفسها ضمن الإبداع الناطق باللسان العربي، فالأجناس الأدبية في عمومها حاضرة بكثافة في كل مطبعة وفي كل حيّز افتراضي، ومَن يطلقون على أنفسهم صفة الكُتّاب المبدعين يتفاخرون ويتهاترون في كل منبر إعلامي أو شبه إعلامي بإنجازاتهم الأدبية المختلفة… لكنّ القراءة تكاد أن تكون منعدمة، وقاعات النشاطات الأدبية من الخليج إلى المحيط لا يتجاوز غالبا فيها عدد الحاضرين للنشاط عدد مقاعد الصف الأول، تماما كعدد الذين يسجلون إعجاباتهم بالنص الأدبي المنشور افتراضيا … كتابات تُعدّ بعشرات الآلاف أو أكثر واهتمامات بها تنزل إلى عشرات الأنفار أو أقل في أمّة يقول عنها الإحصائيون إنها بلغت مئات الملايين وعدد خرّيجي جامعاتها بلغ عشرات الملايين … صورة كاريكاتورية أو كارثية أو أي شيء من هذا القبيل، لكنها واقعية ولا مبالغة فيها … وأسباب هذا العزوف أو التنّكر أو الرفض الصريح المباشر أو القطيعة بين الكاتب المنتج والمتلقي القارئ كثيرة وكثيرة جدا، وقد تناول المحللون بعضها في مساحات إعلامية متنوعة بإسهاب كبير أحيانا، والعنصر الذي قوبل بشيء من الصمت ولم يناقشه أحد – فيما أعلم – بوضوح لا غبار عليه هو ما وسمت به العنوان بعد اختيار مؤسس على متابعة طويلة الأمد لكتاباتنا الأدبية المصاحبة لأفول الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة.
في إطار انشغالاتي الجامعية واهتماماتي الأدبية؛ لقد طفت عددا من الأصقاع العربية انطلاقا من المغرب العربي الكبير ومرورا بوادي النيل ثم الشام وانتهاء بشبه جزيرة العرب، وأنا أستقصي وأشاهد وأستمع وأحاور وألاحظ، كما تابعت خلال سنوات عديدة بعض ما تعرضه الفضائيات وما ينشر إلكترونيا في كثير من الصفحات والمجموعات والمواقع والمجلات الأدبية العربية، وقبل هذا وذاك وبالتوازي معهما لقد قرأت عددا معقولا من الكتابات الأدبية العربية عموما والجزائرية خصوصا بوصفي مهتما بالإبداع وأستاذا مدرّسا ومشرفا ومناقشا وباحثا – ومحيطي الواقعي والافتراضي يعرف ذلك غاية المعرفة – ويبقى اهتمامي متواصلا برغم تقدّم سني وضعف بصري وتقلّص طاقتي …والنتيجة التي وقفت عليها بعد هذا المسار الطويل هي أن السبب الرئيس في انكماش المقروئية في الزمن الأخير هو مثالب المبدعين وإبداعاتهم العربية المعاصرة، والدليل على ذلك هو أن قراء العربية اليوم يذهبون – إذا ما وجدوا من يوجههم – برغبة مثيرة للانتباه إلى كتابات أعلام تراثنا القديم كما يذهبون برغبة مماثلة إلى كتابات أعلام تراثنا الحديث وإلى الأعمال العالمية المترجمة باحترافية تجعل النص المترجَم كأنه عربيّ أصلا لكن تلك الرغبة تنعدم أو تكاد مع أول تجريب على النص الجديد …
وهذه المثالب أو العيوب الكبيرة أو النقائص الخطيرة تتجلى واضحة أمام البصر والبصيرة من أي زاوية نظرت منها إلى النصّ الإبداعي في الزمن الأخير العاكس لحقيقة مبدعه كأي نص في التاريخ الأدبي الطويل… وهي مثالب كبيرة إلى درجة تدعو إلى إلغاء صفة الإبداع الأدبي عن هذه الكتابات وطرد منتجيها من فئة أهل الأدب العربي … وهي خطيرة إلى درجة جعلت القارئ العادي باللغة العربية يعاف القراءة ويعلن صراحة بأنه لا يقرأ لأنه لا يجد لمن يقرأ وما يقرأ … ومن بين ما جعلي أذكر هذا الإشكال القائم من دون أدنى حرج هو أني كلفت طلبتي بالاشتغال حين التطبيق على نصوص معاصرة متنوعة – وفق اختياراتهم لا وفق اختياراتي – وذلك خلال سنوات متتابعة، ومع نهاية كل سداسي كنت أسأل الطلبة عن مستقبل علاقاتهم بالنصوص التي درسوها وبما يضاهيها من نصوص معاصرة فيجيبون بما معناه إن الأدب الراقي يجمع بين الفائدة والمتعة وهذه النصوص لا فائدة فيها ولا متعة بل هي مصدر التحلل القيمي والمجتمعي والحضاري الذي يحيط بنا من كل جانب ومنجزوها مسؤولون عن ذلك، وبالتالي مستقبلها ومستقبلهم عدم ومستقبلنا إذا ما تشبثنا بها وبهم يسير إلى العدم … ــ يتبع ـ

Leave a Reply