ثقافة وفنون

في الذكرى الثانية والسبعون لنكبة فلسطين : لم يزل حق العودة هو حق عربي قومي ؟!

إعداد: دليلة قدور

بقلم الباحث الفلسطيني فضيل حلمي عبد الله

تعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين واحدة من أهم القضايا ذات الصلة المباشرة بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي، بل إنها تشكل جوهر القضية الفلسطينية لارتباطها الوثيق بموضوع حق العودة والأرض والتوازن الديمغرافي.
ومازالت تعتبر القضية الأكثر حساسية وتعقيداً في عملية السلام التي لم تتم حتى الآن إضافة إلى قضايا القدس- والمياه- المستوطنات- والسيادة وذلك بسبب التعنت الصهيوني على لسان قادته الإرهابية الجديدة والتي لا تعترف بمسؤولياتها اتجاه الشعب الفلسطيني ورفضها كل الاتفاقيات المذلة التي وقعتها الحكومات الصهيونية السابقة كما رفضها للقرارات الدولية التي تخص اللاجئين في المقدمة منها القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 كانون الأول من عام 1948 .
حيث شهد هذا العام أبشع الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المدعومة من القوى الاستعمارية والتي تتحمل المسؤولية التاريخية عن قيام دولة الكيان الصهيوني المصطنع واقتلاع الشعب الفلسطيني من أكثر من (531) مدينة وقرية توارثها جيلاً بعد جيل، حيث بعد هذه النكبة تحولوا إلى لاجئين يتجرعون مرارة الغربة، والحرمان من حقوقهم التاريخية والطبيعية والإنسانية، وما زالوا ينتظرون العودة، وما زال الكيان الصهيوني يحول دون عودتهم على مدنهم وقراهم التي هجروا منها قسراً بقوة السلاح، ضارباً بعرض الحائط كل القرارات والقوانين الدولية وشرائع حقوق الإنسان التي تنص على حق كل مواطن فلسطيني بالعودة إلى مدينته وقريته وبيته وممتلكاته، واستمرت حالة اللجوء حتى وصل عدد اللاجئين إلى ستة ملايين يشكلون أكبر كتلة لاجئين في العالم، وقد رفض اللاجئون نتائج النكبة التي فرضت عليهم وأصروا على التمسك بحقوقهم والدفاع عنها وعلى حقهم في العودة إلى فلسطين.
وإن تراجع العمل الوطني المقاوم عن هدفه، قد شكل خطأ استراتيجياً كبيراً في فهم طبيعة المشروع الصهيوني، والقفز فوق حقائق الواقع والتاريخ الأمر الذي انعكس سلباً على مجمل النضال الفلسطيني والقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، فكانت الإنجازات المحققة غير متناسبة مع التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني، ولذلك أصبح من الضروري التفكير في إستراتيجية وآليات عمل وخطوات تحويل من برنامج تفاوضي غير مجدي إلى برنامج عمل ملموس داخل وخارج فلسطين و تحشيد كافة الإمكانيات والجهود العربية والدولية من أجل توحيد كل الطاقات السياسية في نضالها لنيل حقوق الشعب الفلسطيني وإحقاق الحقوق العربية وعلى رأسها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم وإرجاع الجولان إلى الأم سوريا.
إن هزيمة المشروع الصهيوني العنصري الاحتلالي تقتضي العودة إلى برنامج المقاومة، حيث ازداد الكيان الصهيوني شراسة في ظل هيمنة سياسة القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ونشوء ظاهرة العولمة التي نشهد تزايد توحشها يوماً بعد يوم من خلال الحروب والتدخل الأجنبي السافر في حيات الشعوب ونهب خيارات وطنها، مثل ما حصل في العراق، أفغانستان، الصومال، السودان، سوريا، اليمن، ليبيا ودول أخرى.
وفي مواجهة هذا المشروع تشكلت حركات التحرر الوطني العربية والعالمية والمنظمات والهيئات الدولية والقانونية في كل أنحاء العالم تحت عناوين عديدة أهمها: العدوان والاحتلال والحروب والعنصرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وخلاصها من هذه القوة المحتلة لأراضيها ومواجهة العولمة المتوحشة والسياسات الليبرالية الجديدة، وقد نالت القضية الفلسطينية تأييداً كبيراً من هذه الحركات والمنظمات والهيئات وتحول الشعب الفلسطيني إلى رمز للتحرير من كل أشكال الظلم والاستبداد والهيمنة والتبعية والاستغلال إضافة إلى كونه رمز للتخلص من الاحتلال والعنصرية الصهيونية.
وقد بادر اللاجئون الفلسطينيون إلى تشكيل العديد من الهيئات واللجان للدفاع عن حق العودة وسرعان ما أنشئت هذه الهيئات واللجان وتحولت إلى بادرة إيجابية كونها من حركة اللاجئين غطت كافة أماكن تواجدهم وتمكنت هذه الحركة من تحويل خطابها إلى خطاب شعبي استقطب الشارع الفلسطيني فأعاد الحراك والنشاط للحياة السياسية و ضغط من أجل تفعيل المؤسسات الفلسطينية المعطلة والمشلولة في الشتات الفلسطيني، كما ساهم في تعزيز وتطوير العلاقة بين ساحة النضال الفلسطيني داخل وخارج فلسطين.
وبالنظر للأوضاع الفلسطينية العربية والدولية الراهنة، فعلى الجانبين إن كان الجانب الفلسطيني المتمثل في حركة حماس أو في حركة فتح فإنهم مدعوون اليوم إلى إعادة اللحمة من خلال الحوار وتفويت الفرصة على العدو الصهيوني وإعادة التفكير وصياغة أسس ومبادئ وأهداف المشروع الوطني الفلسطيني والمدعوم دولياً، و عربياً على رأسهم سوريا قلعة الصمود العربي وقلب الأمة النابض بالعطاء. والداعم الأول لحقوق الشعب الفلسطيني في مقدمه حق اللاجئين في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس..بحيث تبني إستراتيجية المشروع الوطني الفلسطيني المقاوم على أساس مشاركة كافة تجمعات ومكونات وطاقات الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من وحدة الهوية والانتماء الوطني وتعزيز العمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية ديمقراطية ائتلافية كإطار جامع لكل القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية، ونسج أوسع التحالفات مع جميع القوى الحية المؤيدة للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها سورية وإيران وفنزويلا وقوة الممانعة، إن شعار حق العودة بمفهومه القومي يضرب المشروع الصهيوني في أهم مكوناته الاحتلالية التوسعية العدوانية في منطقتنا العربية، ولذلك فإن عودة اللاجئين الفلسطينيين على بيوتهم وممتلكاتهم ليس فقط المسمار الأخير الذي سيدق في نعش المشروع الصهيوني بل هي أساس من الأسس التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية.

كما إن الصراع العربي الصهيوني إنما هو صراع وجود وليس صراع حدود وهو مستمر لا توقفه اتفاقات أو معاهدات مثل اتفاقية أوسلو، أو طابا، وادي عربة التي جزأت القضية الفلسطينية وكان الالتفاف على حق العودة، وإن الدعوة لإقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين لا يلغي حق العودة ولا ينتهي هذا الصراع إلا بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وهذا يعني تفكيك المشروع الصهيوني المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والامبريالية العالمية والرجعية العربية.
ومن المعروف والواضح بأن طبيعة الكيان الصهيوني العنصرية تعطي لقضية اللاجئين بعدها السياسي والإنساني والقانوني وتجعله يلتقي مع هذا الحق الشرعي بكل أبعاده ويلقى الدعم والتأييد والتضامن من كل الدول والمنظمات والهيئات الدولية وحقوقه القانونية والإنسانية في العالم، وبالتالي إذا قلنا أن موقف القوى الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني وخاصة قوى الممانعة ومعها كل القوى والمؤسسات والأحزاب العربية، والأممية هو مقياس لنزاهة وعدالة هذه القضية وديمقراطية وإنسانية هذه القوى والمنظمات والأحزاب كما أن فكرة حل الصراع العربي الصهيوني كما يتم الحديث الآن عليه من قبل الجانب الصهيوني وعلى أساس دولتين لشعبين (واحدة يهودية وأخرى فلسطينية) تتناقض مع حق العودة أي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها قسراً على يد قوات الاحتلال الصهيوني في عام 1948، بل هي خطوة نحو شطب هذا الحق ويكرس بقاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين أي مزروعاً في قلب المنطقة العربية ومنسجماً معها مما يجعله يعطيه الحق في إعادة رسم الخارطة السياسية الجغرافية وتجزئة المجزأ على أسس عرقية واثنية وبما يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة العربية.

Leave a Reply