ثقافة وفنون

مسرح اللحظة : مسرح الإنسان أينما كان وكيفما كان

النص السادس من مسرح اللحظة/ الطــــــــــــــريق

د/ عز الدين جلاوجي ـ الجزائر

وقفنا فجأة منتصف الطريق، وضعت يدي على عيني أتقي حرارة الشمس الحارقة وأنا أمسح حبات عرق تتهاوى جانبي منخري، جلس على صخرة تشبه المعلم وقال:
-دعنا نستريح.
أخرج قنينة الماء وعب منها، مسح فمه بكمه وواصل:
-الطريق لم ينته، لقد تعبت.
-يجب أن نستمر، أحس أن نهايته ستكون قريبة.
-وأنا أحس أنها بعيدة، أنا تعبت.
جلست إلى جواره دفع إلي بقنينة الماء قائلا:
-اشرب اشرب، تكاد تموت ظمأ.
-لا تخش علي صديقي، أنا صنديد، وطريقي يجب أن أقطعها.
-لا تقل هذا.
ووقف مغاضبا مرددا بصوت مرتفع:
-لا تقل هذا.
-أزعجتك صديقي، معذرة ما قصدت إزعاجك فأنا لم أقل ما يزعج.
-بل قلت.
نظر إلى الخلف، كان الطريق طويلا يمتد خلفنا، مد بصره إلى الأمام.
-لا نهاية لهذا الطريق، ولكنه طريقنا معا، وسنقطعه معا، حتى نصل إلى الهدف
-صحيح طريقنا معا.
-هكذا أحبك، هو طريقنا معا.
وانطلقنا نسير، وقد اشتد نشاطنا، نكاد نلتصق بفرح، وفجأة ظهرت شجرة عملاقة من بعيد، صرخت فرحا.
-لاح الأمل لاح الأمل.
قفز فرحا كطفل صغير وقال:
-حتما هذه الشجرة هي نهاية الطريق، أظنها شجرة تفاح.
عدا خطوات ثم توقف يدقق فيها النظر وقال:
-أجل هي، إنها بشرى خير، لقد وصلنا، وصلنا صديقي.
ارتمى عند جذعها، واتكأت عليه وقلت:
-نستريح تحت ظلها قليلا ثم نواصل المسير، قطف حبة وقضمها، دفع إلي بأخرى قائلا:
كل كل، لم أر أحلى منها.
واصل بعد لحظات متعجبا وهو ينظر إلى بعيد فزعا:
-إنها الطامة يا صديقي، إنها الطامة.
وقفت مندهشا وقلت:
-أمازال الطريق طويلا، خيرا؟
-لا لا لا.
-وإذن، لقد أخفتني؟
رميت ما تبقى من التفاحة، وقد تغيرت ملامحي خوفا، وقلت:
-إنه التيه، إنه التيه، ما العمل يا رفيقي؟
-التيه، أي تيه تقصد؟ لا أرى إلا فلاة شاسعة، وهذا الطريق الممتد، وهذه الشجرة المباركة.
طوقني بذراعه كأنما يشفق علي وقال:
-آسف أنت لا ترى جيدا، لقد صار الأمر مختلفا.
-أي أمر تقصد؟
-كان الأمر يسيرا ونحن نقطع طريقا واحدا، ظنناه يؤدي بنا إلى هدفنا، أما أن يكونا طريقين فتلك مشكلة.
-طريقان؟
مددت بصري أتأكد من الأمر.
-فعلا طريقان، إنهما طريقان، يجب أن نجد حلا
-صدقت.
وراح يعب من القنينة، ثم يدفع بها إلي.
-ارتو، الحر شديد.
-كيف أرتوي وقد ضاعفت الحيرة ظمئي.
-الحل يا رفيقي أن نأخذ الطريق اليمنى.
تبسم رفيقي ساخرا وقال:
-عجيب لأنك على اليمين، اخترت لنا اليمين، وأنا أؤكد لك بأن المخرج لن يكون إلا شمالا، أنا أتشاءم من اليمين.
-ما أحمقك! عقلك قاصر جدا اخترت اليمين لأنها سيدة، تمثل القوة والقدرة على تحقيق الآمال، بكل صراحة يا رفيقي أنا أتفاءل بها كثيرا.
-بل أخطأت، أؤكد لك أن طريق اليسار تبلغنا أمانينا.
-كم أنت عنيد! لقد أكدت لك فضل اليمين.
بصراحة أنا أتفاءل باليسار، رمز التعاون واليسر، ألم تر أن اسمها فيه رنة اليسر؟
جذبني بقوة، صارخا في.
-من هنا يكون الطريق.
ثبت مكاني بقوة وقلت مهدئا.
-عندي اقتراح آخر.
-ماهو؟
-كل منا يأخذ طريقا، قد نلتقي أيضا، أو على الأقل يصل أحدنا.
دفعني بقوة غاضبا وقال:
-مستحيل أنت أناني، لن نفترق، بدأنا معا ويجب أن ننتهي معا، نفوز معا أو نهلك معا.
صحت فيه غاضبا.
-ويلك، إذن من هنا.
بالغ في صرخته وهو يجذبني نحو طريقه.
-بل من هنا.
-بل من هنا.
-اللعنة عليك من هنا.
-سحقا لك يا أحمق سحقا لك، حلمنا من هنا.
-حلمنا من هنا.
يشتد صراخنا وتجاذبنا ونسقط صرعى دون حراك.

Leave a Reply