ثقافة وفنون

الصحافة الالكترونية في ظل التطورات التكنولوجية الراهنة :  » بين مقتضيات الأطر القانونية وضوابط المسؤولية الاجتماعية « 

د/ مصعب بلفار ـ الجزائر ) الجزء الثالث (
الصحافة الالكترونية في الجزائر وقانون الإعلام 2012

يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن قانون الإعلام يعني تلك النصوص القانونية التي تضعها السلطات العامة في الدولة لتقييد حرية التعبير، غير أن هذه الحدود الضيقة التي تتضمن هذه الفكرة أصبحت في الوقت الراهن شيئا لا يهتم به بالنسبة للمفهوم الحديث لقانون الإعلام الذي يمكننا أن نعرفه بمجموعة القواعد القانونية التي تحكم المؤسسات الإعلامية المختلفة والعاملين فيها داخليا وخارجيا.
يتضمن هذا القانون اثنا عشر بابا حيث يحتوي الباب الأول منه على أحكام عامة، وخص الباب الثاني بنشاط الإعلام عن طريق الصحافة المكتوبة: (إصدار النشريات، التوزيع والبيع في الطريق العام) أما الباب الثالث فاهتم بسلطة ضبط الصحافة المكتوبة، بينما تمحور الباب الرابع حول النشاط السمعي – البصري (ممارسة النشاط السمعي- البصري، سلطة ضبط السمعي- البصري).
لعل أهم جديد تضمنه قانون الإعلام 2012 هو ذكره في الباب الخامس- لأول مرة – وسائل الإعلام الالكترونية، مقارنة مع قوانين الإعلام التي عرفتها الجزائر منذ استقلالها. أما الباب السادس ففصل طويلا في مسألة مهنة الصحافي مع أخلاقيات وآداب المهنة. كما تناول الباب السابع حيثيات حق الرد وحق التصحيح، بينما عالج الباب الثامن، المسؤولية المتعلقة بممارسة النشاط الصحفي. واهتم الباب التاسع بالمخالفات المرتكبة في إطار ممارسة النشاط الإعلامي أما الباب العاشر فنص على دعم الصحافة وترقيتها. هذا وذكر نشاط وكالات الاستشارة في الاتصال في الباب الحادي عشر، كما أدرجت أحكام انتقالية في الباب الثاني عشر والأخير.
عملا على ترقية الإعلام الإلكتروني، يضمن هذا القانون حرية ممارسة النشاط المكتوب، السمعي – البصري والإلكتروني في ظل احترام القيم والثوابت الوطنية ومبادئ الدستور، قوانين الجمهورية، الوحدة الوطنية مع أمن وسلامة التراب الوطني.بدوره،احتوى الباب الخامس من هذا القانون على ست مواد تتعلق بوسائل الإعلام الالكترونية، حيث يشكل تقدما معتبرا وإضافة جديدة تضمنها هذا القانون. حيث أن المادة 67 قدمت تعريفا للصحافة الالكترونية جاء فيها “يقصد بالصحافة الالكترونية في مفهوم هذا القانون العضوي، كل خدمة اتصال مكتوب عبر الانترنت موجهة للجمهور أو فئة منه وينشر بصفة مهنية من قبل شخص طبيعي أو معنوي يخضع للقانون الجزائري ويتحكم في محتواها الافتتاحي”. كما تقدم المادة 68 طبيعة نشاط الصحافة الالكترونية، وفيها “يتمثل نشاط الصحافة المكتوبة عبر الانترنت في إنتاج مضمون أصلي موجه إلى الصالح العام، ويجدد بصفة منتظمة ويتكون من أخبار لها صلة بالأحداث وتكون موضوع معالجة ذات طابع صحفي.لا تدخل المطبوعات الورقية ضمن هذا الصنف، عندما تكون النسخة عبر الانترنت والنسخة الأصلية متطابقتين”.
يعد هذا التحديد مكملا لتعريف الصحافة الالكترونية، و هو دقيق و صريح غير قبل للتأويل والتفسير.أما بقية المواد التي تضمنها هذا القانون، فقد أتت بمصطلحات مختلفة: كالإعلام الالكتروني أو النشر عن طريق الصحافة الالكترونية. بغض النظر عن المفاهيم والمصطلحات، يلاحظ أنه أدرجت أحكام وحدود نشاطها (الصحافة الالكترونية) مع بقية الوسائل الإعلامية الأخرى إما إشارة مقتضبة أو إيحاء غير مباشر، وذلك ما أثار جدلا واسعا من جهة، وغموضا مع التباس في المقصود من جهة أخرى.
فمثلا في المادة 73:نجد” يعد صحفيا محترفا في مفهوم هذا القانون العضوي كل من يتفرغ للبحث عن الأخبار وجمعها وانتقائها ومعالجتها أو تقديم الخبر لدى أو لحساب نشرية دورية أو وكالة أنباء أو خدمة اتصال سمعي- بصري أو وسيلة إعلام عبر الانترنت ويتخذ من هذا النشاط مهنته المنتظمة ومصدرا رئيسيا لدخله.
وفي المادة 100: “يجب على المدير مسؤول النشرية أو مدير خدمة السمعي البصري أو مدير وسائل الإعلام الالكترونية أن ينشر أو يبث مجانا أو تصحيح يبلغه إياه شخص طبيعي أو معنوي بشأن وقائع أو أراء تكون قد أوردتها وسيلة الإعلام المعنية بصورة غير صحيحة.”
أما المادة 115 من الباب المتعلق بالمسؤولية، تنص على “يتحمل المدير مسؤول النشرية أو مدير جهاز الصحافة الالكترونية، وكذا صاحب الكتابة أو الرسم مسؤولية كل كتابة أو رسم يتم نشرهما من طرف نشرية دورية أو صحافة الكترونية.
يعد سن قانون إعلام من أهم الانجازات التي تعكس النضج الحضاري والمعرفي للمجتمعات كما يعد في ذات الوقت، مهمة صعبة التحقيق، باعتبار مهنة الإعلام أكثر خطورة وتعقيدا لما له من أبعاد تفوق السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، لارتباطها بأمن الدول والحكومات ومستوى نظامها السياسي ودرجة رقي مجتمعها.و عليه تظهر ضرورة التفكير حول طرق وأشكال التعامل مع وسائل الإعلام الجديد بشكل عام والصحافة الالكترونية بصفة خاصة في بلادنا، لأن الأمر يزداد تعقيداً في ظل غموض الفاعلين وعدم وضوح الأطراف الحقيقية التي تتفاعل في إطار الإعلام الجديد أحياناً،إضافة إلى تباينها في المستوى، الميول والطموح، وتشعب النصوص القانونية، التباسها وقابليتها للتأويل والتفسير، لأجل وضع حد لذلك لابد من توافر أخلاقيات في التعامل مع وسائط الإعلام الجديد، بالإضافة إلى تطوير الصحافة الالكترونية شكلا ومضمونا وذلك بسن قانون تساير التطورات التكنولوجية الحاصلة، بالإضافة إلى متطلبات وقضايا المجتمع. ـ يتبع ـ

إعداد: دليلة قدور

Leave a Reply