ثقافة وفنون

واقع التعليم في الفضاءات الافتراضية بين الأسماء المستعارة وإخفاء الهوية

)الجزء الثاني و الأخير (
بقلم: أ.فتيحة بارك وأ: هشام شيتور(طلبة دكتوراه بجامعة الجزائر3)

إذا تحدثنا عن التعليم الإلكتروني الذي فرضته تداعيات فيروس كورونا المستجد على كافة بقاع العالم وفي الجزائر، فهذا يستدعي منا الوقوف أولا على توفير المتطلبات اللازمة التي من شأنها تفعيل هذا النمط الجديد في عملية التعليم، خاصة وأننا في الجزائر إذا تحدثنا على البنية التكنولوجية نجد أنفسنا متأخرين، خاصة في تعميم رقمنة كافة القطاعات وهو الأمر الذي أوجدته المرحلة الراهنة، ولكن المعيقات التقنية والبشرية لا تشجّع على رقمنة قطاع التعليم في الجزائر خاصة مع ضعف تدفّق الأنترنت وعدم تعميم الوسيلة على جلّ فئات المجتمع ممّا قد يشكل بالإضافة للفجوة المعرفية بين مكونات المجتمع فجوة رقمية وبالتالي كشف الهوة بين أطياف المجتمع وكشف اللثام على الفئات الهشّة والتي تعاني دائرة الفقر بما لا يمكّنها من استفاء الشروط المساعدة على التعلم الالكتروني.
هذا، ونظرا لحساسية المرحلة فلابد من مراعاة الحالة النفسية للأساتذة والطلبة وذلك ما أكدته أستاذة الإعلام بجامعة الجزائر3 « حياة قزادري » والتي ترى بأن مخرجات الأزمة الصحية العالمية لم تترك مجال للأستاذ للتركيز في كتابة الدروس وأن الكثير منهم يقترب من الانهيار النفسي ولا يقوى حتى على فتح حاسوبه أو مسك قلمه، بالإضافة للآثار النفسية لأزمة كورونا على الفرد وموجة القلق التي تزرعها في أوساط المجتمع، وتقدم لنا الأستاذة « حياة قزادري » نظرة سوسيولوجية وأخرى بيداغوجية حول واقع التعليم عن بعد في الجزائر ففي نظرتها السوسيولوجية تؤكد قائلة: « يوجد نوع من عدم التقبل الاجتماعي لهذا النمط من التعليم لأن الملاحظ أن المجتمع مازال رافضا لهذه الفكرة لانعدام الإمكانيات المطلوبة للتأسيس لهذا النوع من التعليم لدى غالبية أفراد المجتمع الجزائري »، هذا وتنظر من الجانب البيداغوجي أن  » التعليم الإلكتروني يحتاج لتكوين وتدريب الأساتذة لكي يتمكنوا من استخدام مختلف الدعامات الإلكترونية ». وانطلاقا مما ذكر آنفا، لا يسعنا إلا القول أن الحديث عن التعليم الالكتروني أو عن بعد في الجزائر قرار غير مدروس، لأن التعليم الالكتروني يتطلب تحضيرا متميزا لرقمنة المدرسة والجامعة لتسهيل عملية التعلم ومواجهة مختلف الحالات الاستثنائية، أما على المدى الطويل فلابد على القائمين على الجامعة وكذا المدرسة الجزائرية من وضع مخطط و إستراتيجية شاملة على المستوى التقني وكذا البيداغوجي والاجتماعي وحتى القانوني بغية رقمنتها وإعادة الحياة لها أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية.
ولابد من الإشارة في هذا الصدد أن التعليم عن بعد في هذا الظرف الاستثنائي، كشف العديد من النقائص والكثير من تناقضات المجتمع، خاصة بعد اضطرارنا إلى التعامل مع العالم الافتراضي بجدية أكثر، بدل تعاملنا معه على أنه عالم تسلية وترفيه، إذ أصبحت منصاته ومواقعه مؤسسات تعليمية وجامعات افتراضية، جمعت طلبة العلم وأساتذتهم بهدف تدارك ما فات من الوقت لإنهاء المقررات الدراسية في آجالها المرسومة.
ويُعد موقع فيسبوك من بين أكثر المواقع استخداما لهذا الغرض وخصوصا بالطريقة الأبسط والتي يفضّلها أغلبية الطلبة، والمتمثلة في إنشاء مجموعات خاصة على مسنجر تضمّ تخصصا بعينه او فوجا من الأفواج ويشاركهم الأستاذ تلك المجموعة المغلقة لتقديم المحاضرات عن طريق الفيديو أو التسجيل الصوتي أو بتقديم ملفات مكتوبة، ويتلقاها الطلبة ليتناقشوا حول ما جاء فيها، ويطرحوا أسئلتهم حول ما تبقّى غامضا غير مفهوم فيها، ليستزيد الأستاذ الشرح لتوضيحه.
وهي في الحقيقة طريقة مجدية تتماشى والسرعة السلحفاتية للأنترنت في الجزائر، لكن اللافت في الأمر والذي لا يمكن لعاقل تجاوزه دون أن يبحث فيه ويتساءل ويستفسر عنه، هو نوعية الأسماء الافتراضية
للطلبة أعضاء المجموعة، إذ يجد الأستاذ نفسه أمام خمس وعشرين طالبا أو أكثر بأسماء مستعارة فلا يكاد يعرفهم، ليبقى في ذهنه سؤالا يتردد يقاوم نفسه كي لا يطرحه: من أنتم؟
والملاحظ في الأمر والذي أكده لنا عديد الأساتذة، أنه نادرا ما تجد الطالب منضمّا إلى المجموعة باسمه المسجّل لدي الأستاذ، أي الإسم الرسمي للطالب، فالأسماء المستعارة هي الغالبة.
إن الأسماء ولأهميتها البالغة في بناء العملية الاتصالية بين البشر، كانت أول ما تعلّم آدم عليه السلام من ربّ العزة ذو الجلال والإكرام، وتظهر جليا أهميتها السوسيولوجية في المجتمعات بما يحمله الإسم من دلالات عميقة تنعكس وتؤشر على شخصية صاحبه، فالآية القرآنية الصريحة التي تحثنا على تجنب التنابز بالألقاب، تؤكد أن للأسماء آثار بسيكولوجية وسوسيولوجية نبهّنا إليها ديننا الحنيف حاثا على الابتعاد عنها حفاظا على علاقاتنا الاجتماعية من أي تهديد. وقد فعل الاستعمار الغاشم فعلته الشنيعة بالشعب الجزائري، والمتمثلة في تدمير ثقافة الكنية والألقاب في الجزائر، إذ ألصق بالجزائريين أسماء غريبة ومخجلة وبائسة يصعب علينا التخلص منها، لكننا وللأسف الشديد نجد أن بعض طلبتنا في الفضاءات الافتراضية يفعلون بأنفسهم في هذا الشأن أسوء مما فعله العدو الفرنسي بأجدادهم.
إذ تجد أسماءهم المستعارة على فيسبوك لا تمتّ بأي صلة لصاحبها باعتباره طالب علم، وعند الجنسين عل حد سواء، ذكورا وإناثا. أسماء تشعرك بالهوان والمذلّة والابتذال والخجل والامتعاض والدونية والاستصغار، ليقف الأستاذ منها موقف الريبة والشّك، متسائلا: هل هذا طالب عندي؟ وهل هذه طالبتي؟
ومن الأسماء المستعارة التي تضمّها مجموعات الطلبة للدراسة عن بعد وعلى سبيل المثال لا الحصر، (ميمي المهبولة، سوسن المريولة، مولات الخدود، الزين ولاطاي، القرعاجية، ريمة المزطولة، عبدو السماسري، عقبة المدروقي، زينو اولاد الحرام، سامي المريول، عشيقة رونالدو، سيجاراتي متعتي، الكاس والوسواس، كريمو الأنوش، سمرا ونحلا، الزين والتفرعين) هذا بالإضافة إلى أسماء لا يمكن ذكرها احتراما لقرائنا الأعزاء، وأسماء أخرى تتركّب من حروف وأشكال لا رمزية لها، هذه الأسماء التي تستدعي وبشدة تحليلا سوسيولوجيا وبسيكولوجيا للتعرّف على سبب إقدام طلبتنا على تسمية أنفسهم بها في الفضاء الافتراضي. هذه الأسماء، أما صور البروفايلات فحدّث ولا حرج، فقد تجاوزت كل الخطوط الدينية والثقافية والإنسانية حتى.
وعلى رأي بعض الأخصائيين النفسيين وأساتذة علم الاجتماع فإن الراجح لتصرفهم هذا يعود إلى أن ثقافتهم المتأرجحة بين المحلية بالانتماء للمجتمع الجزائري المحافظ وعوالم ثقافية أخرى أوروبية وغربية أمريكية وشرقية أسيوية جعلتهم تائهين لا يجدون رسوا لمراكبهم الثقافية الدينامكية المتحركة، وقد تكون معاناتهم من الكبت العاطفي والجنسي قد جرّتهم إلى الهروب من أسمائهم الحقيقية إلى تلك الأسماء غير الدّالة عليهم أصلا.
إن الفضاء الافتراضي الذي نراه من يوم لآخر يتداخل ويتكامل مع واقع الحياة، وما أزمة كورونا وما أنتجته من نظام للتعليم عن بعد إلا تعبير جلي عن هذا، إذ أصبح الأستاذ أمام طالب منفصم بين اسمين، حقيقي وافتراضي، مما اضطرّه إلى إرغام الطلبة على إظهار أسمائهم الحقيقة وإرسال صور عن بطاقة الطالب لكل منهم، حتى تستقر الأسماء الجديدة في ذهنه، لربطها بشخصيات أصحابها، بما في ذلك من مشقّة الإسقاط والتصديق، لكنه مرغم على ذلك لا بطل، حتي يتمكّن من التصرّف في ظلّ موقف فُرض على الجميع أساتذة وطلبة.
إن المشكلة ليست في الأسماء المستعارة التي تطرح نفسها كإشكالية عند التقاء الافتراضي بالواقعي، ولكن الإشكالية تتمثل في غرابة تلك الأسماء وابتذالها في كثير من الأحيان وخاصة عدم مواءمتها للجوّ العلمي الذي يحظى بالتقديس من الجميع في هذا المحيط الأكاديمي الذي جعلته الظروف الاستثنائية للحجر الصحي والتباعد الاجتماعي يُظهر دلالة نقص وافتقار لثقافة العلم والتعلم، بتدحرجه أكثر فأكثر إلى الحضيض، فالتعليم الافتراضي عن بعد امتداد للتعليم على الأرض وإن أردنا أن يكون التعليم عن بعد شبلا، لابد أن نجعل من التعليم في الواقع أسدا، بإصلاح ما يمكن إصلاحه بتضافر جهود الجهات الوصية وعمال القطاع أساتذة وإداريين ورقي الطلبة وتفطّن المجتمع……انتهى

اعداد : دليلة قدور

3 Comments

  1. هذا زمانها ولكل زمان زمانه

  2. Like!! Really appreciate you sharing this blog post.Really thank you! Keep writing.

Leave a Reply