ثقافة وفنون

النهضة العربية الحديثة … من أوهام النجاح إلى حقائق الفشل : الأستاذ الدكتور بومدين جلّالي ـ الجزائر

الجزء الثاني و الأخير

والحقيقة أن جمعية العلماء ليست تجمعا لجماعة من العلماء، وإنما هي عبارة عن مشروع مجتمع متكامل، يعتمد الإصلاح غاية والتربية منهجا، مما جعلنا نصنف مشروعها ضمن المشاريع الفكرية الجزائرية، التي لخصت رؤيتها في العبارة الشهيرة : الجزائر وطننا، العربية لغتنا، الإسلام ديننا.وهذا ما جعل الجمعية في مختلف مراحلها تعمل على: إحياء اللغة العربية، تصحيح مفاهيم الدين الإسلامي ونشره، محاربة الطرقية، محاربة الإلحاد، و العمل على تحرير البلاد من الاستعمار من خلال المشاركة في العمل السياسي.
ففيما يتعلق بإصلاح الدين الإسلامي وترقية اللغة العربية ، نجد جمعية العلماء تفتتح مدارس للبنين والبنات، في مختلف بلاد الجزائر ، شرقا وغربا ،شمالا وجنوبا ، نذكر منها مدارس الجمعية في قسنطينة ، تلمسان، الجزائر العاصمة ، بل وأن نشاط هذه الجمعية امتد حتى داخل فرنسا نفسها ، فقد وقفت شخصيا على بعض من هذا النشاط في ضواحي باريس بعامة وسان دوني منها بخاصة .
ولعل مجهودات الشيخ عبد الحميد بن باديس ظاهرة للعيان، فقد قام بتفسير القرآن الكريم ، كما قام بشرح العديد من الأحاديث النبوية الشريفة .
كما يمكننا فهم مشروع جمعية العلماء من خلال الصحف التي أصدرتها، كما هو شأن : الشهاب ، المنتقد.
أما فلسفة هذه الجمعية فيمكن تلخيصها في رائعة عبد الحميد بن باديس التالية :
شعب الجزائر مسلم … وإلى العروبة ينتسب
رابعا : خيانة النخب النهضوية

النخب الرئيسة الرسمية المقررة أو المؤثرة في القرار النافذ – بدْءً بالسياسية وانتهاءً بالثقافية – خائنة بامتياز، ونخب الدرجة الثانية المكلفة بتطبيق القرارات فهي تتأرجح بين الخيانة التي لم تبلغ الامتياز بعد وبين النفاق ولحس الأحذية من أجل المصلحة الآنية وبين الغباء بصورة من صوره المتعددة …
خيانة النخب الرئيسة تتجلى في تآمرها مع الآخر المختلف المهيمن والمعادي لكل تطور إيجابي يحصل عند العرب وقبولها لتلقي التعليمات منه دون قيد أو شرط باستثناء ما له علاقة بشراهتها ووحشيتها، وهي تعلم علم اليقين أن هذا التوجه سيدمر مستقبل الأمة …
وخيانة النخب الثانوية المساعدة للرئيسة تتجلى كما يلي … فهي عند الذين لم يبلغوا درجة الامتياز بعد مجرد مسألة وقت لأن هذه الفئة على اطلاع بكل صغيرة وكبيرة من واقع الخيانة العظمى وهي فقط من ستصعد لمصاف النخب الرئيسة وتواصل مهمة التدمير … وهي عند فئة أهل النفاق ولحس الأحذية مجسّدة في الانتهازية والوصولية والاعتماد على الرُّشى والعُصب والجهوية في الارتقاء بكفاءة مهتزة أو منعدمة بغية نهب ما هو قابل للنهب بمرضاة النخب الرئيسة المستغِلة لهذه التصرفات الفاسدة على مستوى الفاعلين لها بإذلالهم واستثمار طاقاتهم في المهام القذرة وعلى مستوى عامة الجماهير المستضعفة بحصارها داخل ضباب هذه الفئة الزئبقية التي لا يُعرَف لها مدخل ولا مخرج بوضوح لا سراب فيه … وعند فئة الأغبياء سياسيا بصورة خاصة، والتي تتميز في الغالب ببعض الكفاءة التكوينية والمهنية كما تتميز أيضا بشيء من المصداقية والنزاهة داخل المجتمع، فالخيانة لا تتمثل في التآمر على الأمة ولا في النهب والفساد ولا في المهام القذرة وإنما تتمثل في سذاجتها التي جعلتها وسيلة لتلميع بعض الجزئيات من مكونات أنظمة الخيانة العظمى فتمتص صدمات الغضب الشعبي مؤقتا بزرع أوهام النجاح واحتمال تحَسُّن الأحوال مستقبلا، من غير أن تدري أنها مجرد وسيلة مبرمجة لهذه الغاية الماكرة دون سواها.
خامسا : العجز عن إيجاد مخرج
هذه العوامل مجتمعة وغيرها من العوامل الخاصة بكل قطر وعصر تشابكت بإتقان تم التخطيط له في الغرف الغربية السوداء و تساعدت بتوجيهات النخب الرئيسة التي لا تظهر في صورتها الكاملة الخطيرة إلا في لحظات نادرة من مسار التاريخ مثل ما حدث في مقاومات الاستعمار البغيض والتشكيل الحقيقي للفعل الإرهابي الممنهج وكوارث الربيع العربي وغير ذلك من الأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نخرت معظم الطاقات التي كان بإمكانها أن تصل بالعرب إلى بر الأمان … وبعد التشابك و التساعد سارت بدقة نحو صناعة النكسة الكبرى ثم تطورت إلى مستوى جعل آمال النهضة العربية الحديثة تتبخر أملا بعد أمل وتصل إلى طريق مسدود …
سادسا : تدمير الأنا بحثا عن الحل
بعد وضوح هذا الوضع الكارثي العام الذي لا ينكره إلا معتوه لا عقل له أو جاهل معزول عن الوجود بجهله المطلق؛ لقد استفاق كثير من العرب من غيبوبتهم الطويلة وتأكدوا أن الخديعة أمر دُبِّر بليل منذ زمن بعيد. وبما أن الاستفاقة جاءت متأخرة وغير مدروسة، وهي عبارة عن رد فعل عاطفي فوضوي وليست فعلا مؤسَّسا يبحث عن تغيير إصلاحيّ مؤسَّس؛ دخل العرب في شبه انتحار جماعي بدولهم وحكوماتهم وشعوبهم.
مست هذه النفسية الانتحارية اللامعلنة لفظا والمعلنة عملا دول المنطقة العربية بكاملها فدخلت في حروب أهلية غير شرعية وغير ضرورية وباتت خرائط تشرذمها جاهزة للظهور متى شاء الفاعلون المتآمرون ذلك، وغاب نهائيا حلم الوحدة التي رافقت الأسلاف جيلا بعد جيل … ومست المجتمعات العربية فأصبحت عداواتها المحلية المؤسسة على العرق والطائفة والمذهب والجهة والقبيلة هي الثوابت المؤطرة لتتابع الليل والنهار … ومست هياكل الحكم فأصبحت هياكل بدون روح تحت أوامر مستبد خلَف مستبدا وسيخلفه مستبد … ومست المؤسسات المسيرة للحياة الاجتماعية في مختلف قطاعاتها فتحولت إلى مؤسسات مسيرة للفساد ولا شيء غير الفساد … ومست الأفراد هنا وهناك فانقسموا بين مجرم وانتهازي وشاذّ وعاهر ومزوّر وخامل وعانس ومخدَّر ويائس يكرّر الانتحار بعد الانتحار حتى ينتهي أمره، ولم ينجُ من مصائب ومصاعب هذه الحالة الخطيرة إلا قليل… ولولا نعمة البترول التي تحولت إلى نقمة، بالإضافة إلى بعض الخامات والسياحة الجنسية وتجارة الخردوات والمخدرات لمات أكثر العرب جوعا ومرضا قبل أن يصل المخطط الاستعماري البغيض إلى نهايته.
وفي الختام؛ لا أقترح شيئا ما لأن لا أحد يأخذه بعين الاعتبار في هذا الظرف العصيب الذي نمر به، وإنما أقول فقط : نحن العربَ على أبواب الخروج من مسرح التاريخ إن لم نفعل شيئا ما، فيه إنقاذنا ممّا نحن فيه.

إعداد: دليلة قدور

1 Comment

  1. شكرا على الموضوع

Leave a Reply