ثقافة وفنون

المشاريع الفكرية والسياسية في الجزائر ﴿الجزء الأول﴾ : خلفياتها، مظاهرها و أفاقها الأستاذ الدكتور موسى معيرش ـ الجزائر

عندما يتحدث الأكاديميون العرب عن المشاريع الفكرية العربية التي سعت لإقامة نهضة علمية وتكنولوجية في الوطن العربي، يشيرون إلى بعض دول المشرق والمغرب العربيين ، مهملين دور الجزائر في هذا الشأن.
فهل هذا التجاهل يعود إلى غياب مشاريع فكرية في الجزائر؟ أم يعود إلى كون المشاريع الفكرية الجزائرية، عبارة عن تقليد لمشاريع فكرية عربية أو غربية فحسب؟ أم أن الأمر يعود إلى جهل الأكاديميين العرب بهذه المشاريع؟
هذا ما تحاول هذه الورقة الإجابة عنه.

1 ـ خلفيات المشاريع الفكرية الجزائرية وأهدافها:
بداية لابد من القول أن الجزائر من أوائل الدول العربية التي استيقظت على تفوق الحضارة الغربية، مما جعل مثقفيها ورجال العلم والدين فيها،يتنبهون مبكرا لمشكلة التخلف التي يعاني منها مجتمعهم بصورة خاصة، والمجتمعات العربية والإسلامية بصورة عامة، خاصة وأن الجزائر في تلك المرحلة لم تكن دولة صغيرة، وإنما كانت تشكل دولة محورية كبيرة رغم أنها كانت تتبع الخلافة العثمانية شكلا .
وقد ظهر الاختلاف والتناقض مبكرا بين النخب الجزائرية، حول السبل الكفيلة ببناء مجتمع جزائري حديث، وهذا الاختلاف في حقيقة الأمر يعود إلى عدة أسباب نجملها في سببن هامين :
ـ تباين المشارب الفكرية للنخب الجزائرية.
ـ تباين غايات هذه النخب.
فأما المقصود بتباين المشارب الفكرية للنخب العربية، فهي تتعلق أساسا بمصادر ثقافة هذه النخب، التي نجدها تتوزع بين ثقافة محلية كلاسيكية، وثقافة إسلامية كلاسيكية، ثقافة غربية، وأخيرا ثقافة مزدوجة.
ففيما يتعلق بالشكل الأول، نجد العديد من النخب الجزائرية تشبعت بثقافة كلاسيكية جزائرية خالصة، تمثلت في أدبيات الزوايا التي كانت ولا تزال منتشرة، بل أن هذه الزوايا في حقيقة الأمر، كانت مصدرة لثقافة جزائرية ذات صبغة إسلامية، كما هو الحال مع السنوسية،القادرية وغيرهما.
وأهم ما ميز هذا الاتجاه مقاومته الشديدة للاستعمار الفرنسي عسكريا، قبل أن ينقلب فيما بعد إلى حليف له، ولعل أهم من مثله في بدايته الثورية: الأمير عبد القادر، الشيخ بوعمامة، وأخيرا الشيخ الحداد.
أما في مرحلة المهادنة والتحالف مع فرنسا، فيمكننا أن نذكر بعض شيوخ زوايا الهامل بمسيلة، والخنقة بسيدي ناجي.
الشكل الثاني من هذه المشارب، فقد مثلته الثقافة العربية بمظهريها الإسلامي والقومي، وتمثلت في الحركات الإصلاحية كما هو شأن حركة جمال الدين الأفغاني، رشيد رضا،الكواكبي، علاوة على الحركة السلفية الوهابية.
الشكل الثالث من المشارب الفكرية الجزائرية، يمكن إرجاعه إلى الثقافة الغربية بعامة، والفرنسية السائدة والمسيطرة بوجه خاص، وقد جمعت هذه الثقافة بشكل خاص تلاميذ المدارس الفرنسية من أبناء إتباع الاحتلال، أو من الذين دفعتهم الحاجة إلى التنصير.
أخيرا نستطيع القول بوجود مشارب مزدوجة، تجمع بين الثقافة الغربية والعربية، وقد جمعت هذه الثقافة فئة قليلة من المثقفين الجزائريين، ممن تشبعوا بالثقافة العربية، وفي الوقت نفسه دفعتهم ظروف تاريخية للولوج إلى مدارس فرنسية، كما هو الحال مع مالك بن نبي.
2 ـ مظاهر المشاريع الفكرية الجزائرية:
وتبعا لتعدد هذه المشارب، تعددت أهداف النخب الجزائرية، حيث وجدنا منها، من يسعى إلى إعادة المجتمع الجزائري إلى سابق عهده، أي إعادة بناء دولة جزائرية قوية، كما وجدنا من يسعى إلى إقامة مجتمع مندمج مع فرنسا، بقيم جديدة.
وأخيرا يمكننا الحديث عن نخب تسعى إلى إقامة مجتمع جزائري يجمع بين قيم الماضي وقيم الحاضر.
وطبقا لهذا التصور يمكننا أن نصنف المشاريع الفكرية في الجزائر على النحو التالي:
مشاريع إصلاحية تربوية، مشاريع تحديثية تغربية، مشاريع ثورية قومية، مشاريع حضارية مشاريع يسارية، ومشاريع إسلامية.
فبماذا يمتاز كل مشروع، وماهي خصائصه؟ وأخير من يمثله؟
أ ـ المشاريع الإصلاحية التربوية:
لا يمكننا الحديث عن حركة إصلاحية واحدة في الجزائر و إنما عن حركات، و في هذا السياق نستطيع الإشارة إلى حركة الشيخ بيوض في وادى ميزاب التي تسعى إلى الإصلاح في إطار المذهب الإباضي ، غير أن أشهر هذه الحركات ما عرف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي في حقيقة الأمر تجمع لعلماء دين مسلمين جزائريين، نشأت بمبادرة مشتركة من زعيميها التاريخيين : عبدالحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي.

………………….يتبع

Leave a Reply