ثقافة وفنون

أزمة كورونا تكشف عورات عقولنا : من العراق إلى تونس إلى الجزائر إلى مصر

بقلم بهجت العبيدي

إن التعاطي مع الأزمات يظهر بجلاء طريقة تفكير الأفراد والجماعات، وهل التفكير الذي يصدر مبني على أسس صحيحة؟. ذلك الذي لن يتأتى إلا إذا كان الفرد قد رُبِّيَ تربية سليمة، جعلته يعلي من قيم العقل، ذلك الذي يتبعه حتما التحلي والاتساق مع المنطق، الذي تكون نتائجه حتما متسقة مع المقدمات.

إن المجتمعات السوية كالأشخاص السوية، لا يمكنها أن تتخذ من الهروب من الأزمة سبيلا لإلغائها، بل إنها تشتبك مع الأزمة اشتباكا، بهدف علاجها، والتخلص منها، بل في الكثير من الأحايين – عند الأقوام الحية – أن تكون الأزمة سببا في نجاحات لم تكن لتتم، لو لم تحدث هذه الأزمة أو تلك.

لم تشهد الأجيال الحالية، إلا بعض من المعمرين وهم قلة قليلة على مستوى العالم، أزمة عالمية مثل تلك التي تضرب العالم الآن وهي جائحة كورونا والتي لم يشهد العالم لآثارها، ولا لما سيترتب عليها من نتائج مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية.
لقد كان هناك تباين في تعاطي كل دولة من الدول مع هذه الأزمة، وإن اتفقت الحكومات، أو فلنقل الغالبية العظمى منها، في الإجراءات التي أعلنت عنها، والتي هي نتيجة لتوصيات منظمة الصحة العالمية، والتي تماهت معها أغلب حكومات الدول العربية.

إن اختلاف التعاطي الذي نقصده، كان في فئات غير قليلة من الشعوب، والذي يهمنا هنا، هي شعوبنا العربية، التي بدت بعيدة بدرجة كبيرة عن غيرها من الشعوب، وأنا هنا أعني شعوب العالم المتحضر، فهذا هو الذي يليق بأمتنا: أن تكون المقارنة مع تلك الشعوب المتحضرة، التي يجب ألا نقل عنها بحال من الأحوال، فهل يليق بأمة علمت العالم على مر قرون من الحضارة والعلوم ما تظل تفخر بها أجيالها جيل بعد جيل أن تقارن بغير الشعوب المتحضرة؟.

إن الوقوف على ما يعتمل في العقلية العربية من أفكار لهو واجب المثقف الذي يأخذ على عاتقه صدم هذه العقلية بما لا يليق من فكر يعشعش في ثنايا العقول، وبما لا يتفق مع العقل ذاته، ولا يستند على أسس علمية، ولا يتخذ من المناطق السليم منهج حكم، هو واجب؛ لأن فيه إيقاظ لهذا العقل، لابد منه حتى تنهض هذه الأمة من ركود قرون، بَذَرَ فيها الأعداء بذور الجهل والتخلف، وتركوها تنمو بحكم تبني المجتمع نفسه لها، ورعايته إياها عن قناعة بها، ورضاً متوهما بنضج ولذة ثمارها.

لقد بدونا في هذه الأزمة التي تحتاج العالم كهؤلاء القوم الفارين من الواقع فرارا، فلو أمسكنا بعدسة تفتش في ثنايا هذا العقل الممتد من الخليج إلى المحيط، فإن أول ما يصدمنا من مظاهر ذلك الهروب من الواقع كان في اللجوء إلى التراث فنجد أحدهم، بدولة العراق الشقيقة، « يفبرك » لنا نصا، يُضَمّنه ورقة صفراء، تزعم أن هناك نبوءة منذ قرونٍ خَلَتْ تخبرنا عن وباء كورونا وأنه سيقع في العام العشرين من القرن الواحد والعشرين، وإذا بتلك القصاصة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، ويترك المجتمع جله، إن لم يكن كله، الحدث العالمي الخطير، ليتحدث في هذه النبوءة المزعومة، ويزبد ويرغي في الفارغ من الكلام، وعديم الجدوى من الأفكار، وتصدى لذلك قلة نادرة ممن يُعْمِلون عقولهم في عالمنا العربي، هذه الندرة التي كانت مثار تَنَدُّر وسخرية في مجتمع يسير على رأسه ويفكر بقدميه.

لم يقف الحال عند ذلك، وكيف هذا وهي مجرد بداية؟!، فانتقلنا إلى طبيب تونسي تخاطبه، حاشا لله، بل تترجاه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لينقذ أرواح الألمان، بل أرواح شعوب العالم التي يحصدها وباء ڤيروس كورونا، ولم يكن الأمر يحتاج كثير فطنة، لندرك أن الترجمة المصاحبة لشفاه المستشارة الألمانية هي الأخرى مفبركة، ذلك الذي يعكس أن الفبركة التي هي إحدى صور الهروب من الواقع أصبحت لدى مجتمعاتنا « منهج حياة ».

ومن تونس إلى الجزائر التي دفع ادعاء الفلكي لوط بوناطيرو، أن فريقا علميا « جزائريا/عراقيا » توصل إلى عقار يشفي من وباء كورونا دفع ذلك الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شخصيا للتدخل لمعرفة مدى صواب ذلك الخبر الذي جعل قطاعا من الشعب الجزائري يؤكد أن اللوبي الفرنسي وراء عدم استخدام العقار الجزائري، ضاربا بعرض الحائط كل أسس المنطق وأدواته حتى بعدما أعلن وزير الصحة الجزائري، عبد الرحمن بن بوزيد أن التوصل لإنتاج دواء معين، يتطلب سنوات من البحث والتجارب والتدقيق قبل الموافقة النهائية عليه.

أما في أم الدنيا – مصر- فكانت نظرية المؤامرة التي لا تريح العقل، بل تشله شللا، حاضرة قوية على كافة المستويات، بدء من هؤلاء البسطاء على المقاهي الذين لم يلتزموا بتعليمات الحظر، ولَمَ يلتزمون إن كان الأمر لا يعدو مؤامرة طرفيها: أمريكا والصين، هدفها اقتسام زعامة العالم، أو عند المتطرفين في هذا الجانب، هدفها إزاحة أمريكا من زعامة العالم وتنصيب الصين بديلا عنها، وكأن مثل هكذا حدث، يحدث بين عشية وضحاها، وكأني به لا يحتاج عشرات السنوات تعتمل فيه الأسباب وتختمر فيه الأحداث الجسام.

ولأن أم الدنيا هي زعيمة المنطقة، فليس من المعقول ولا المقبول أن تكون أقل من العراق التي ابتكرت علاجا، ولا من تونس التي ترجّت المستشارة الألمانية أحد علمائها، ولا من الجزائر التي ابتكر أحد أطبائها علاجا ناجعا، فكان لابد لأم الدنيا أن تتجاوز كل هؤلاء، فإذا بوزيرة الصحة تحمل في حقيبة يدها المتجهة بها إلى الصين العلاج، ويا له من علاج سحري، لم يحتج الصينيون لتناوله، لا، فيكفي فقط أن تحط طائرة وزيرة الصحة على أراضي الدولة الصينية، ليفعل علاج أم الدنيا الأفاعيل، فَيَشْفىٰ الصينيون دون الحاجة لتناوله، ولم لا؟ ألم يأت من البلد الذي علم الدنيا كلها العلوم والطب؟!

Leave a Reply