ثقافة وفنون

جائحة كورونا بين العدوى الحسية والعدوى المعنوية : الأستاذ عبد الحق شادلي ـ الجزائر

نمنا في عالم، واستيقظنا في عالم آخر لنجد أن وباء كورونا قد تصدر المشهد العالمي واكتسح الساحة الإعلامية، وشغل أحاديث الناس ونقاشاتهم ومجالسهم، خصوصا حول طرق انتقال عدواه الحسية، وكيفية الوقاية منها، لدرجة أن الجميع أصبح يتوجس ويتحسس، مما ساهم في فتح العنان للقيل والقال، لتسبق سرعة انتشار العدوى الحسية للوباء، انتشار عدواه المعنوية، فالعدوى كما تكون في الأمراض الحسية تكون أيضا في الأمراض المعنوية.

 وقد تمكنت العدوى المعنوية من عقول الناس بشكل لافت، جراء الكم الهائل من الأقاويل التي شكّلتها هواجس انتشار هذا الوباء وتداعياته، حتى صار الجميع يهول الكلام ويبالغ ويزايد ويسرد حكايات من هنا وهناك، ومما أدى إلى تفشي العدوى المعنوية بشكلها الرهيب ، خاصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت بما يشبه غرف الصدى، وملاذا كبيرا لانتشار مثل هذه العدوى، إذ أن الأشخاص يميلون للتواصل  ومشاركة الأخبار مع من يتفقون معهم في المواقف عبر صفحات بعينها، ثم يعيدون نشرها مرة أخرى دون الشك في احتمال خطئها.
وصار الناس يتفاعلون أكثر مع المعلومات المغلوطة، إذ تبين أن المستخدمين أكثر عرضة لمواجهة وتقبل المعلومات المضللة غير معلومة المصدر ويتداولونها فيما بينهم بنفس طرق انتشار الشائعات، أكثر من أي معلومات أخرى لأنها تأتي من دوائر الثقة المحيطة بهم.

وهذا الأمر زاد من انتشار العدوى المعنوية التي انعكست سلبا على واقع الناس وعقولهم، وأدى إلى ارتباك النسيج الاجتماعي الذي أصبح أكثر خوفا من ذي قبل في زمن الجائحة.

 وأدخل هذا النوع من العدوى الناس في فوبيا الوباء وخوف غير عقلاني من عدواه الحسية، التي جعلت عقولهم ذات قابلية لتقبل ما يسمعونه من أخبار تثير القلق وتحدث الفوضى، وهذا القلق ترجم إلى سلوك اجتماعي عدواني في محاولة للبقاء، وهذا ما تم مشاهدته من خلال التسابق على المواد الغذائية الأساسية، وكذلك وسائل الوقاية الصحية والتطهير وتخزينها، خوفا من تداعيات الوباء.

إن مضار العدوى المعنوية كبيرة جدا سواء على الفرد والمجتمع خصوصا في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البشرية جمعاء، لذلك يجب الأخذ بالحسبان ضرورة التوعية والوقاية منها، مثلها مثل العدوى الحسية، وقد نبه رسولنا الكريم على خطورة هذا النوع من العدوى في قوله صلى الله عليه وسلم: « كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ».

Leave a Reply