دولي

الحراك اللبناني : لماذا يواجه لبنان أزمة في تشكيل الحكومة؟

 

تعد الأزمة اللبنانية ذات خصوصية فريدة نظرا لطبيعة النظام السياسي بالدولة وتعدد طوائفها السياسية.ويرجع التعقيد الداخلي الذي يشهده لبنان إلى وجود عدة إشكاليات على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تعقيدات الأجندات السياسية الداخلية والخارجية وتأثيرها في مسار الدولة.ونتيجة للوضع الاقتصادي المتردي، وفشل الإدارة السياسية للدولة، طالب الحراك اللبناني أكتوبر2019 بإدارة جديدة وحكومة إنقاذ تنتشل الدولة من أزماتها المالية والاقتصادية وتحسن إدارة مواردها، تتشكل من المختصين، وتختلف عن الحكومة السابقة.وجرت الاستشارات النيابية وفقا للدستور اللبناني للاتفاق على تشكيل حكومة، وتم تكليف حسان دياب رئيسا للحكومة، لكن ما زال هناك تشاورات وتصريحات متراشقة بين القوى السياسية حول تأليف الحكومة ومشاركة التيارات المختلفة بها وتمثيل كل منها.لذا يتم التركيز هنا على إجراءات التشكيل والأزمة بين التيارات المختلفة والتحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة المقبلة التي تأتي في ظروف بالغة التعقيد.

إجراءات التشكيل

رئيس الجمهورية يسمي رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها، ويصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة وذلك وفقا لوثيقة الاتفاق الوطني اتفاق الطائف.
وقد تم تكليف حسان دياب رئيسا للحكومة الجديدة، وقد سبقه العديد من الأسماء لتسمية الحكومة من بينها سمير الخطيب إلا أنه قدم اعتذارا عن تشكيل الحكومة.وأعيد اقتراح سعد الحريري ليقوم بتشكيل الحكومة رغم استقالته في 29 أكتوبر2019 نتيجة الاحتجاجات في لبنان.وتم الاتفاق بين الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري على تأجيل الاستشارات تفادياً لإضافة مشاكل دستورية ووطنية إلى الأزمة التي تواجه لبنان وتم تأجيلها أكثر من مرة خلال ديسمبر 2019، إلا أنه تم تكليف حسان دياب في نهاية الأمر.ويعد دياب أول أكاديمي يكلف برئاسة الحكومة في لبنان وهي حكومة ذات طابع خاص لأنها تأتي في ظروف داخلية وإقليمية بالغة التعقيد، حيث تواجه إجراءات التشكيل بعض التعقيدات التي تعرقل خروجها إلى النور.

أزمة التشكيل..تكنوقراط أم تكنوسياسية؟

نظرا لتعدد القوى السياسية في لبنان، فإن كلا منها يقترح عدة أسماء لكل وزارة، ويختار رئيس الحكومة المكلف من بينها، ولاختلاف مصالح كل تيار فإن ذلك يمكن أن يفسر تعطل خروج الحكومة حتى الانتهاء من كتابة هذه السطور، فهناك خلاف من حيث التمثيل وشكل الحكومة هل سياسية أم تكنوقراط؟
تتعدد الآراء حول شكل الحكومة المقبلة؛ أولها تيار يتزعمه الرئيس المكلف دياب ويرغب في حكومة مختصة لا تشمل وزراء من حكومة تصريف الأعمال، ورأي يعبر عنه بعض القوى السياسية التي ترغب في حكومة مختصة يشارك بها وجوه حزبية ووزراء سابقون.فقد طالب رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس البرلمان نبيه بري بحكومة تكنوسياسية، وهو ما لم يعترض عليه حزب الله.
وأخرى ترفض المشاركة في الحكومة « القوات اللبنانية »، والموقف ذاته بالنسبة للحزب التقدمي الاشتراكي، لكنه أعلن إمكانية اختياره من كفاءات في الطائفة الدرزية، إذا تمت الموافقة على حكومة تكنوقراط.

بينما رأى البطريرك الماروني بشارة الراعي أن تكون الحكومة مستقلة، قائلاً: « هذا الزمن يتطلب منهجية جديدة في العمل السياسي ترفض ذهنية المحاصصات السياسية باسم الطوائف والمذاهب التي افقدت الوطن مقدراته ووضعت الشعب تحت خط الفقر ».
وقد حدد دياب مدة ستة أسابيع لتشكيل الحكومة خلال مشاوراته مع مختلف القوى وهدف إلى تشكيل حكومة من 18 وزيراً ووزيرة، وفصل النيابة عن الوزارة، وأن يكون الوزراء اختصاصيين غير حزبيين، إضافة إلى إلغاء منصب وزير دولة وعدم مشاركة وزراء في حكومة تصريف الأعمال.
ويمثل الطائفة المسلمة 9 وزراء 4 للسنة ومثلها للشيعة وواحد للدروز، وللطائفة المسيحية 9 وزراء 4 وزراء للموارنة و3 للروم الأرثوذكس ووزير للروم الكاثوليك وآخر للأرمن، ومن المتوقع أن تكون حقيبة الاتصالات للتمثيل السني.ومن بين الشخصيات التي طرحت للتشكيل وديع العبسي لوزارة الدفاع، غازي وزني لوزارة المالية، دميانوس قطار لوزارة الخارجية، باسم خالد لوزارة الداخلية، ندى بستاني لوزارة الطاقة.
وتطرح القوى السياسية أسماء منها سليم جريصاتي لشؤون رئاسة الجمهورية من قبل الرئيس ميشال عون أما حزب الله فيرغب في جميل جبق لوزارة الصحة، وحركة أمل تطرح الوزير حسن اللقيس لوزارة الزراعة، ووافقت على أن تكون المالية من حصتها وتقترح غازي وزني لها.بينما التيار الوطني الحر يقترح ندى البستاني بوزارة الطاقة، لكن لم يتم التوصل إلى تشكيلة نهائية متوافق عليها من الجميع حتى الانتهاء من كتابة هذه الورقة.

التحدى الأكثر خطورة

يواجه الاقتصاد اللبناني عدة إشكاليات، حيث تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 30 بالمائة في السوق الموازية، التي تمثل المصدر الرئيسي حالياً للعملة الصعبة، مع فرض البنوك قيوداً مشددة على النقد الأجنبي، وبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي 0.2 بالمائة عام 2018، وارتفع معدل التضخم 6.1 بالمائة في العام نفسه وفقاً للبنك الدولي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انخفاض النمو نحو 0.3 بالمائة في 2018 تأثرًا بانخفاض مستوى الثقة، وارتفاع عدم اليقين، وتشديد السياسة النقدية، والانكماش الكبير في قطاع العقارات
وارتفع عجز الحساب الجاري إلى أكثر من 25 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في نفس العام بسبب اقتران النمو المنخفض للصادرات مع ارتفاع واردات المحروقات، وتراجع صافي تحويلات العاملين في الخارج إلى لبنان.
وقد صرَّح حاكم مصرف لبنان في مؤتمر « يوروموني »، في 25 يونيو 2019، في بيروت، أن معدل النمو بلغ صفرًا بالمئة منذ بداية 2019.وفقا للبنك الدولي، ازداد عجز الميزان التجاري 8431 مليون دولار في النصف الأول من العام 2019، وسجَّل ميزان المدفوعات عجزًا تراكميًّا كبيرًا يونيو 2019 وصلت قيمته إلى 5.4 مليار دولار.
كما سجَّل ميزان المدفوعات عجوزات متتالية بين يونيو 2018 ومايو 2019، بلغ مجموعها التراكمي أكثر من 10.4 مليار دولار، ولم تعد الدولارات التي يحصل عليها لبنان كافية لتسديد ما يتوجب عليه للخارج.
وبلغت العجز التراكمي 18351 مليون دولار، وهذا يعني استنزافًا متواصلًا لصافي الأصول الأجنبية في لبنان، التي يعد حجمها واستقرارها والقدرة على التحكم بها من الشروط الأساسية لتثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار، فأحدث هذا العجز مزيدًا من الطلب على الدولار وتهديدًا لاستقرار سعر الليرة.بلغ عجز الموازنة العامة 11.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلى عام 2018، وبلغ الدَّيْن العام 085.3 مليار دولار يناير 2019، ووصل إلى 85.7 مليار دولار يونيو 2019.أما خدمة الدَّيْن العام بالنسبة إلى المدفوعات الإجمالية فقد بلغت حوالي 34.3 بالمائة مايو 2019.
وتُقدَّر كلفة خدمة هذا الدين أو ما يعرف بالفوائد حوالي 8312 مليار ليرة لبنانية أي حوالي 5.51 مليار دولار في قانون موازنة العام 2019، وهو يستنزف حوالي 44.2 بالمائة من الإيرادات العامة.

كما أثر الوضع الاقتصادي اللبناني على دور لبنان في المنظمة الدولية، حيث أصبح لبنان غير قادر على التصويت في الأمم المتحدة وهي سابقة في تاريخ لبنان.
ووفقا لما صرح به ستيفان دوجاريك المتحدث الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة قائلا: « إن لبنان من ضمن عشر دول فقدت حق التصويت في الجمعية العامة نظرا لتأخرها في دفع مساهماتها في موازنة الأمم المتحدة »، ويقدر المبلغ المستحق تسديده للمنظمة نحو 918 ألفاً و16 دولارا.
ختاما يمكن القول إن الدولة اللبنانية تعاني أزمات بالغة التعقيد من حيث تعدد الطوائف والأهواء السياسية وتشابكها مع الملفات الإقليمية، وهو ما سبب وصول الدولة إلى أزمة اقتصادية بالغة التعقيد تستوجب حكومة وطنية ذات كفاءة لها ولاء وطني تنتشل الدولة من أزماتها السياسية والاجتماعية، تمتلك رؤية واضحة لكيفية العبور من هذا المأزق.
ويعد ارتفاع الدين العام والعجز المالي ونسبتهما إلى الناتج المحلي من أخطر ما تعانيه المالية العامة في لبنان، وما يرتبه هذا من تداعيات اجتماعية خطيرة تُرهق المواطن اللبناني بالضرائب والرسوم المرتفعة وسياسة التقشف وهو انعكاس لحالة الفساد المستشرية في الدولة اللبنانية وإداراتها.
وتبقى السيناريوهات متعددة تجاه الحكومة القادمة وهي إما نجاح دياب في تشكيل الحكومة مقبولة من الجميع ومن ثم قدرتها على مواجهة التحديات، وإما استمرار عدم الاتفاق حول التشكيل وتفاقم الوضع إلى الأسوأ، أو أن ينجح دياب في التوصل إلى تشكيل متفق عليه ويخفق في مواجهة التحديات بسبب تعقيدات داخلية أو خارجية.وفي كل الحالات الرهان على مستقبل لبنان تحدده الحكومة المقبلة، وكذلك الحراك الشعبي الذي انتفض لدولته.

Leave a Reply