دولي

إيران والاستدارة الأوروبية الكاملة : أسباب وتداعيات

قد تجاهر إيران بأن إطلاقها للصواريخ الباليستية من الأراضي الإيرانية وليس من جانب وكلائها ومليشياتها في المنطقة يمثل تحولا في العمل من « المساحة الرمادية » التي تحركت فيها طهران بداية من هجمات مايو ويونيو العام 2018 على السفن التجارية بالخليج، ومروراً باستهداف 14 قاعدة أمريكية، وصولاً لهجمات أرامكو في سبتمبر 2019.لكن طهران لم تدرك أن التحول من العمل في « المنطقة العمياء » للاستهداف العلني والمباشر سيؤدي لخسارة دبلوماسية وسياسية غير مسبوقة نتيجة التحول الكامل في الموقف الأوروبي الذي كان حتى قبل اغتيال قاسم سليماني له مواقف تتباين مع الموقف الأمريكي.فما هي أسباب « الاستدارة الأوروبية » بعيداً عن إيران؟ وكيف سيتغير الموقف الدولي بعد هذا التحول الاستراتيجي؟ وكيف يمكن البناء على هذا المتغير الجديد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة العربية؟

رسائل خاطئة

لم تكتف الدول الأوروبية، وخاصة الدول الثلاث الأعضاء في اتفاق 5+1 وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا برفض انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018 بل عارضت السلسلة الأشد من العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، ومنذ ذلك التاريخ عارضت الدول الثلاث الخطوات الأمريكية، وهو ما أرسل « رسائل خاطئة » لإيران بأن المجتمع الدولي ليس على قلب رجل واحد من خلال تمادي الدول الأوروبية في مسار بعيد عن الولايات المتحدة الأمريكية عبر مجموعة من الخطوات هي:

1- » آلية أنستكس »، وهي آلية دعم المبادلات التجارية بين أوروبا وإيران المعروفة باسم « إنستكس  » Instex، ورغم التشكيك الدائم من جانب إيران خاصة من جانب المرشد على خامنئي في صدق وحسن نوايا الأوروبيين فإن الدول الأوروبية الثلاث حاولت بكل ما تملك أن تخفف من ضغوط العقوبات الاقتصادية على إيران.وكان هدف هذه الآلية قيام إيران بتسليم النفط أو منتجات أخرى إلى أوروبا، وبدلاً من دفع الأموال إلى البنوك الإيرانية ستذهب الأموال إلى الشركات الأوروبية التي تبيع الدواء أو الغذاء إلى إيران، وأفشلت إيران هذه الآلية برفضها وقف تمويل مليشياتها في المنطقة، خاصة حزب الله والحوثي ومليشيا الحشد الشعبي في العراق باعتبار أن هذه المليشيات خاصة حزب الله موجود على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.

2- المقترحات الفرنسية التي قدمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات قمة الدول الصناعية السبع الكبرى « G7 » في 25 أغسطس\آب 2019 عندما استضاف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في القمة، واقترح ماكرون تمويلا بـ15مليار دولار للاقتصاد الإيراني مقابل توقف إيران عن دعم مليشياتها في المنطقة، وبدء حوار يقوم على وقف برنامجها النووي والصاروخي، ووقف تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وفشل هذا المقترح أيضاً لرفض إيران التخلي عن برنامجها الصاروخي ومليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

3-لم تتهم الدول الأوروبية الثلاث صراحة الحكومة الإيرانية بالوقوف وراء الهجمات الخطيرة التي شهدتها منطقة الخليج قبالة ميناء الفجيرة في 12 مايو\أيار 2019، وبعدها التحرش الإيراني بالسفن التجارية في 13 يونيو\حزيران 2019، وتعاملت بريطانيا والدول الأوربية « بصبر استراتيجي » مع خطف السفينة البريطانية « ستينا إمبيرو » رداً على احتجاز سلطات حكومة جبل طارق سفينة إيرانية خرقت الحظر المفروض على بيع النفط للحكومة السورية.

4-غضت الدول الأوروبية الطرف عن التحايل الإيراني على العقوبات الدولية مثل بيع إيران للنفط مقابل الذهب، وحصول إيران على المليارات من صفقات شملت السجاد والفستق والبتروكيماويات، وفرت خلال آخر 9 شهور من 2018 أكثر من 10 مليارات دولار.

تحولات استراتيجية

لكن اغتيال قاسم سليماني شكل فرصة للإعلان عن تحول كامل واستراتيجي في الموقف الأوروبي بعيداً عن إيران، كما أن استهداف القواعد الأمريكية في العراق من جانب الحرس الثوري جاء ليعلن نهاية « مساحة العمل المشتركة » التي جمعت طهران مع الدول الأوروبية، وأخذ هذا التحول مجموعة المسارات هي:

أولاً: كان لافتاً أن ألمانيا التي لها علاقات خاصة مع إيران هي أول دولة في الإتحاد الأوروبي تؤيد قتل قاسم سليماني، بل واعتبرت برلين سليماني مصدرا لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وقدمت دعما كاملا وغير مشروط للهجمات الأمريكية ضد مليشيات الحشد الشعبي في معبر القائم ثم مقتل سليماني.وهو ما دفع الحكومة الإيرانية لاستدعاء القائم بالأعمال الألماني في طهران، وتشكل الاستدارة الألمانية أكبر تحول في أوروبا ضد إيران، لأن ألمانيا كانت أكثر دول العالم تحمساً لاتفاق 5 + 1، ويعد جابرييل زيجمار نائب المستشارة الألمانية ووزير الطاقة السابق أول مسؤول أوروبي تطأ قدماه أرض العاصمة الإيرانية بعد الاتفاق النووي.
ودائماً ما كانت العلاقات الألمانية الإيرانية متقدمة على كل العلاقات الإيرانية مع الدول الأوروبية الأخرى منذ الحرب العالمية الأولى، حين احتلت بريطانيا وروسيا إيران بينما وقفت ألمانيا بجانب طهران، ورأت ألمانيا في الاتفاق النووي 2015 فرصة لإحياء العلاقات المتدهورة من خلال شعار « التحول من خلال التقارب والتجارة « .
وكانت وجهة النظر الألمانية تقوم على أنه من خلال التجارة والتطور الاقتصادي يمكن التأثير على الأوضاع الاجتماعية والسياسية في إيران، وبالفعل اكتشفت ألمانيا بعد نحو 4 سنوات فشل هذه الاستراتيجية، وأن السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط أكبر من المحاولات الألمانية لتعزيز ما يسمى « بالمعتدلين » في النظام الإيراني.

ثانياً: وقف وزير الخارجية الفرنسي جان إيفل ودريان بجانب الولايات المتحدة في قتل سليماني واتهم إيران ومليشياتها وسليماني بأنهم وراء عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، كما اتهم إيران بتقويض الحرب على الإرهاب في المنطقة، وهذا التحول الفرنسي ضد السلوكيات الإيرانية ارتبط في الأساس بموقف طهران من البرنامج النووي الإيراني.
ورفضت فرنسا كل الخطوات الإيرانية للتخلص من قيود اتفاق 5+1 خاصة عندما أعلنت إيران تشغيل مفاعل فوردو، واستخدام أجهزة طرد مركزي من طراز IR6/IR9، ثم إعلان إيران عدم التقيد بأي سقف في نسب تخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي أكد للفرنسيين أن إيران لها طموحات نووية، وكانت تخدع العالم منذ يوليو\تموز 2015

ثالثاً: ظل الموقف البريطاني طوال فترة حكم تريزا ماى قريبا من الموقف الفرنسي والألماني وبعيدا عن الولايات المتحدة، حيث رفضت لندن الخروج من اتفاق 5 +1، وشاركت بريطانيا في كل الاجتماعات حول تفعيل آلية « أنستكس »، ولم تتفق لندن مع واشنطن في فرض المزيد من العقوبات على طهران في 4 نوفمبر 2018.

إلا أنه مع تولي بوريس جونسون رئاسة الحكومة حدث تحول كامل ضد إيران، حيث قامت لندن بعدد من الخطوات ضد طهران، أبرزها دعم الحملة الأمريكية على مليشيات إيران في العراق، وتحميل إيران وسليماني مسئولية الهجمات على القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق، واتفقت لندن وواشنطن على أن سليماني كان يخطط لعمليات واسعة تستهدف الأمريكيين المدنيين والعسكريين في المنطقة، وأنه المسؤول عن استهداف معملي أرامكو في سبتمبر\أيلول الماضي.

رابعاً: باتت الدول الأوروبية الآن على قناعة بأن الاتفاق النووي أصبح من الماضي، ولهذا تعمل لندن وبرلين وباريس مع واشنطن على إعادة العقوبات الدولية على إيران في الفترة القادمة وهي العقوبات التي تم رفعها من مجلس الأمن بعد توقيع الاتفاق النووي.

خامساً: لم يهاجم الحرس الثوري الإيراني القوات الأمريكية فقط في قاعدتي عين الأسد وحرير في كردستان العراق، بل استهدف قوات التحالف الدولي بالكامل، وهو ما دفع بريطانيا لإرسال مزيد من القوات للعراق والمنطقة، في حين قلصت ألمانيا عدد مستشاريها العسكريين، وقيام فرنسا بإجراءات احترازية جديدة لحماية قواتها وقواعدها العسكرية في المنطقة.

المشهد الآن يؤكد أننا أمام تحول كامل واستدارة واضحة في المواقف الأوروبية بعيداً عن إيران، وأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية في خندق واحد أمام الخطر القادم من طهران، وهو ما يفرض عزلة سياسية ودبلوماسية غربية على القيادة الإيرانية ويقلل من مساحة المناورة التي عملت عليها منذ 2015 وحتى اغتيال قاسم سليماني سليماني.

Leave a Reply