ثقافة وفنون

من أهم التحديات والعوائق : اللغة العربية وتحديات الرقمنة

قضية الرقمنة، واللغة العربية موضوعُ ما زال جديدًا ولا يتوفرُ الكثيرُ من الدراسات حولَه، حيث ان أهمَّ التحديات التي تواجه اللغةَ العربيةَ في المجال الرقمي.، ثم المحتوى العربي على الإنترنت، ونعني به وجود اللغة العربية في الفضاء الرقمي، وسبلَ تنميتِه وتطويرِه وأهمَّ المبادرات التي قيمَ بها في هذا الشأن، مع تعريج على خصائص اللغة العربية وتحديات الترجمة والنقل إليها من اللغات الأخرى وتحديات نشرها وتدريسها، ثم نختم بتوصيات وملاحظات للمهتمين بالموضوع.

ولعل من المناسب أن نبدأ بتعريف الرقمنة فهي تعريبٌ لكلمة « digitization » وهو مصطلح جديد وله عدة مرادفات باللغة الأجنبية منها: digitizing ، computerization، digitalization ، scanning ،كما تُرجم للغتنا عدة تراجم مثل « الترقيم »، « التمثيل الرقمي »، « الأرشفة الرقمية والإلكترونية ». وهو باختصار تحويل المواد سواءً كانت مرئيةً أو مسموعةً أو مقروءةً إلى صيغ رقميةٍ صالحةٍ للتداولِ على الأجهزة الرقمية والإنترنت والتخزينِ على الوسائطِ الحديثة من أقراصٍ صلبة ومرِنةٍ وقابلةِ للنشر على الإنترنت.

ويواجهُ المتعاملونَ مع اللغة سواءً بالكتابة، الصحافة، الترجمة أو الأدب، تحدياتٍ كبيرةً خصوصاً في التعامل مع المضامين اليومية، وعبرَ مسيرة الاعلامي والمترجم محمد ولد ابراهيم في مجاليْ الإعلامِ والترجمةِ خاصةً فقد أكد انه عادةً ما يواجه بعضُ المواقفِ أو التعابير الخاصةِ التي تتطلبُ بحثاً ثمَّ اختياراً قلَّما يكونانِ سهليْنِ بين ما هو صحيحٌ وفصيحٌ وبين ما هو دارجٌ بين الناس ومفهومٌ وإن كان به عَوَرٌ أو خطأٌ لغويٌ خفيفٌ إن جاز وصفُ الخطأ بالخفة.

فالإعلاميون غالباً عليهم أن يختاروا بين الدقةِ وبين السهولةِ وما يفهمُه الجمهورُ المستهدف، والاختيارُ بين اللغة الجزْلةِ الصحيحةِ وبين ما هو مفهومٌ عادةً يكونُ صعباً، خصوصاً في المجالاتِ المستحدثةِ والعلومِ الحديثة، حيث يتم نحتُ المصطلحاتِ بشكل يكادُ يكونُ يومياً تبعاً لتطور هذه العلوم ومستجداتِها، وهذا يُحتّم علينا سرعةَ التعاطي مع النصوص المترجمَة فقد لا يُسعفنا الوقتُ لاستشارة المعاجم المتخصصة، وحتى لو أسعفنا فلن تُفيدنا فهذه المصطلحاتُ تتجدد باستمرار، وهو ما يقتضي سرعةَ اتخاذ القرار واعتماد المصطلحات خاصةً في مجال الأخبار السريعة ومواكبة الأحداث والدراسات الجديدة.

ومن أهم التحديات أو العوائق:

انتشار الأمية، والأُمية المعلوماتية حيث تقدر بعض الدراسات نسبة الأمية في العالم العربي بنحو 40 في المئة أضف إلى ذلك انتشار الأمية المعلوماتية، ضعف البنية التحتية لشبكات الإنترنت، وضعف المستوى المادي لغالبية شعوبنا، وهذا يمنعها من الاستفادة والحضور في العالم الرقمي الذي يُنظرُ إليه في المستويات الاقتصاديةِ الدنيا على أنه ترفٌ فكري، غياب دَور الجامعات ومراكز البحث في رقمنة المخطوطات مثلاً والدراسات والبحوث التي يُقام بها في هذه المؤسسات، وهذا أيضاً مرتبط بقضية الموارد وشُحِّها، ضعف حركة النشر وغياب شبكات التوزيع، وانتشار ما يُعرف بـ (franco-arabe) أو ما يسميه إخوتنا المشارقة بالعربيزي وهو كتابة اللغة العربية بحروف أجنبية، وهذا جنى على اللغة العربية كثيرا، قضية التدقيق الآلي وشيوع الأخطاء، معظم محركات البحث عندها خوارزميات ثابتة تتعلق بشيوع الاستخدام بغض النظر عن السلامة اللغوية، فكلما كان اللفظ مستخدماً أكثر تعاملت معه على أنه هو الصحيح.

الى جانب غياب الموسوعات العربية الموثوقة والمصادر المفتوحة أو ما يُسمى MOOCs وهو اختصار للعبارة الإنكليزية Online Courses Massive Open وهي مواقع متخصصة في كل فرع من العلوم، وفيها معلومات موثَّقة، وغياب هذه الموسوعات يزيد الفجوة المعرفية ويُتيح المجال لانتشار المعلومات المغلوطة.

هذه التحدياتُ أو العقباتُ أثّرت بشكل كبير على المحتوى الرقمي العربي الذي لا يتماشى ولا يُناسب قيمةَ وأهميةَ هذه اللغة الجميلة ولا إشعاعَها الثقافيَّ التاريخي َّكلغة أولى للعلوم والمعارف، حيث يُقدرُ حجمُ المحتوى العربيِّ الرقميِّ المنشورِ على صفحاتِ شبكة الإنترنت وعلى مختلف الوسائط الإلكترونية حسبَ تقديراتِ أكبر محركاتِ البحث العالمية مثل غوغل وياهو بأكثر قليلاً من (1)في المئة من مجمل المحتوى الرقمي العالمي وكان قبل سنوات قليلة لا يتجاوز 0.3 في المئة وهذه النسبة طبعًا دون المستوى المقبول ولا ترقى لمكانة هذه اللغة.

وتنمية المحتوى العربي الرقمي تتطلب حسب (Escwa) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي سيا:2003) أدواتٍ معلوماتيةً أساسيةً تعتمدُ على حوسبة اللغة العربية، وتحليلها بشكل عملي دقيق، وأهم هذه الأدوات هي محركات البحث والمعاجم. وما يوجد حاليًا لا يلبي الاحتياجات، ولا يرقى إلى مستوى الأدواتِ المُماثلةِ في لغات أخرى، وخاصة الإنكليزية فنحن بحاجة إلى بحوث في كيفية تصميم وصناعة المعاجم لتوليد المصطلحات وتوحيدها؛ إضافة إلى حوسبة اللغة العربية.

وتواجه لغتنا الكثير من المشاكل المعجمية، رغم الجهود الكبيرة التي قامت وتقوم بها مجامع اللغة في عدة أقطار عربية، ومن هذه المشاكل أن أغلب معجمات اللغة العربية هي معجمات تاريخية أو مرتبطة بتاريخ معين وغالبا تنتهي عند عصر الاستشهاد، وذلك لأن واضعي هذه المعاجم كانوا في خلفيتهم يضعونها للحفاظ على لغة القرآن الكريم والحديث الشريف، وهو لا شك هدفٌ نبيل وفي غاية الأهمية، لكنه من ناحية أخرى قصرَ اللغةَ على تلك العصور، وكأنَّها ماتت هناك، ولن يتطور الإنسان وتُستجدّ له مسائلُ وأشياء تتطلب كلماتٍ وتعابيرَ جديدةً للتعبير عنها ولا مخترعات جديد كالسيارة مثلا وغيرها.

فالدارس للغتنا لديه معاجمُ ضخمة جداً مثلا أكبر معجم ربما (تاج العروس) يقع في أربعين جزءاً وكل جزء حوالي خمسمائة صفحةٍ إن لم تخني الذاكرة، لكن هذه المعاجم الضخمة لن تُفيده كثيراً في دراسته للعلوم الحديثة ولا حتى في متابعة الإعلام ولا في لغتنا المتحدَّثة في الشارع. الفجوة الكبيرة بيننا وبين العالم المتقدم في العلوم الحديثة، وعدم مسايرتنا لتطوراته وما يُصاحبها من مصطلحات وتعابير.

الثراء الكبير في المفردات ما يجعل البحث صعباً خصوصا على غير العرب، من الدارسين والمهتمين، فمثلا إذا كنتُ أبحثُ عن كلمة (عارضة) عليَّ أن أقرأ حوالي خمسين صفحةً هي مادة (ع ر ض) في قاموسٍ مثل (تاج العروس)، وحتى بعد هذا الجهد الجهيد، لن يُفيدني هذا في معناها الحديث عارضة المرمى في كرة القدم! وقس على هذا.

اختلاف طبيعة اللغة العربية عن أغلب اللغات الأجنبية، من حيث كتابتها من اليمين إلى اليسار، ومن حيث اعتمادها على (الجذر) بدل التسلسل الأبجدي.

ومن قضايا وإشكاليات الرقمنة التي تواجه اللغة العربية وتعوق إثراء المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت إشكاليات الترجمة وتعريب المصطلحات ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي مجال الترجمة لا بد من التأكيد على أهمية التنسيق بين مختلف المجامع اللغوية واتخاذ قرار بتوحيد ترجمات الكلمات الأجنبية. كما أنه من ناحية تقنية، على مترجمينا الابتعاد عن الحرفية والارتباط باللغة المنقول عنها، فلننحت مصطلحاتِنا من لغتنا وخلفياتنا الثقافية والحضارية، ولا نكن مرآةً للغات الأخرى واستنساخا لها.

Leave a Reply