ثقافة وفنون

السيد الرئيس « تبون » أمام تحدي  » الاستثمار الثقافي » : مثقفون جزائريون يصوغون مقترحاتهم للتوجه نحو صناعة ثقافية

« الجزء الثاني »
استطلاع :
دليلة قدور

بث الوعي و تشجيع الشباب للاستثمار في الثقافة من الأولويات
و لأن مقومات الحسم في المشروع النهضوي الوطني التنموي أضحت تبنى على ثقافة الاستثمار المقدمة على رأس المال ذاته، اعتبر الباحث  » عبد الحق شادلي » الاستثمار الثقافي أهم ما تحتاجه الجمهورية الجديدة اليوم لتعزيز دور الثقافة في عملية التنمية المستدامة، ووضع سياق لرؤية شمولية تدرس علاقة الاستثمار الثقافي في الجزائر بجوانب التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بغرض تحقيق التكامل فيما بينها، وتعزيز دور الثقافة في النهوض بالاقتصاد الوطني. مفصحا عن أهمية فتح المجال أمام الشباب الجزائري و تشجعيهم بما يملكونه من مؤهلات وما يحملونه من تطلعات للنهوض بقطاع الاستثمار الثقافي و ذلك قصد بناء مشروع حضاري قائم على المعرفة يبدأ من الاستثمار بالأجيال الجديدة من خلال رفع الوعي لديهم بأهمية هذا القطاع، واستعراض النماذج التي لاقت نجاحات كبيرة فيه ، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لأصحابها لكي تكون هناك استمرارية في هذا النوع من الاستثمار البنّاء، فضلاً عن تشجيع مختلف الهيئات المعنية بالثقافة على تقديم التسهيلات بهدف تطوير الفن والسينما والنشر…، وتوجيه الشباب المبدع نحو أخذ المستجدات البيئة الرقمية التي تشهد تطورات متسارعة، خاصة فيما يتعلق بالابتكار في الاستثمار الثقافي.
ركز الباحث « شادلي » على رد الاعتبار للتراث الثقافي من خلال ترشيد الاستثمارات العمومية في ميدان الثقافة، ومضاعفة الاهتمام بدور الثقافة في تحقيق التنمية، و البحث عن سبل الاستثمار الثقافي الإيجابي المعزز للاقتصاد الوطني من خلال رسم سياسة للصناعات الثقافية الحديثة تراعي التنوع الثقافي الغني الذي تزخر به بلادنا، و تعمل على إحياء المهن التي ترتبط بالثقافة المادية و غير المادية و من ثم المساهمة في فتح فرص العمل و الحفاظ على خصوصية المنتج الثقافي باعتباره ذات قيمة اقتصادية عالية، مع الأخذ بأولوية الأسس الإستراتيجية للاستثمار الثقافي في التنمية السياحية تقوم على تنشيط التنمية المحلية اعتمادا على مواردها التراثية.
النهوض بالقوة الناعمة مرهون بإعادة الاعتبار للمثقف الرسالي
هذا، واقترح الشاعر « حسين عبروس » على الرئيس الجديد إعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي لا المتطفل، وتعيين من هم أهل وصناع الثقافة عبر مختلف المواقع الثقافية التي تعيد للوطن هيبته في الداخل والخارج بدءا من الوزير وانتهاء بأصغر موقع في الثقافة، وأن تكون الثقافة هي في مقدمة المواقع عبر كل وسائل الإعلام والاتصال، وأن تستحدث جائزة وطنية كبرى للثقافة، مع إعادة النظر في مسألة الإنتاج السينمائي والمسرحي ولكل ما ينشر تحت إشراف وزارة الثقافة، إلى جانب تشجيع المشاريع الثقافية في شتى المجالات كاستثمار حقيقي يدعم الاقتصاد الوطني، وألا يكون المثقف دائما إما مسكينا مهانا أو متملقا للأجهزة الأخرى.
ولأهمية مكانة المثقف في المجتمع بما يملكه من أفكار تنير طريق الحاضر والمستقبل، تساءل الدكتور « قادة جليد »: ما الذي ينتظره المجتمع من المثقف الجزائري المعاصر في مواكبة الجمهورية الجزائرية الجديدة ؟ مفصلا في رؤيته للمثقف الحقيقي ودوره في الدمج بين الماضي والحاضر والمستقبل في رؤية إستراتيجية واحدة و وضع الأهداف المستقبلية التي تحرك المجتمع نحو الأمام وتفجر طاقته الداخلية في الحاضر ليحقق النهضة المنشودة لأن المجتمع بدون أهداف وقيم و فكر صحيح وفعال هو مجتمع ميت و متخشب ولا تاريخي في نفس الوقت، إذ ينفعل بالتاريخ و لا يصنع التاريخ.
أوضح الباحث « قادة جليد » أن الجزائر بحاجة إلى المثقف العضوي و المثقف النقدي على حد سواء، المثقف العضوي الذي يحمل هموم الجماهير و ينخرط في الشأن العام قصد التوجيه لا التهييج وفق أهداف ثقافية و أخلاقية و حضارية واضحة، و المثقف النقدي الذي يكرس فكره و مبضعه النقدي لنقد الخطاب و تقويمه وإبراز ثغراته المنطقية و نزعته الدوغماتية. مشددا على أهمية الدور الرسالي للمثقف في بناء الإنسان إذا أردنا اقتصادا جديدا ومتعددا خارج قطاع المحروقات كما في الدول المتطورة و المعاصرة التي أصبحت تستعمل القوة الناعمة للتسويق لاقتصادياتها وهيمنتها على الشعوب.
دعا الدكتور « قادة جليد » لضرورة أن تكرس الجمهورية الجديدة مكانة خاصة للمثقف في سلم القيم، باعتبار المثقف روح الأمة وخلاصتها، و من جهة أخرى لا بد أن يضطلع المثقف برسالته التاريخية في التنوير الثقافي و تأطير الفضاء العمومي خاصة المثقف النقدي الذي يبحث عن المعنى و ينتجه في نفس الوقت في سياق ثقافي وتاريخي جديد، ومن ثم تجاوز إشكالية التوفيق بين التراث والحداثة من خلال عملية الإبداع و التجديد، أيضا العمل على تشجيع الإبداع والبحث في كل المجالات و أن لا تنحصر الثقافة في مظاهرها الفولكلورية فقط بل يجب الانخراط في ثقافة العقل والعلم مع استجلاء نظرة حقيقية ومعقولة عن تاريخنا بدون إقصاء وتهميش وخاصة التاريخ الثقافي و السياسي، و وفق رؤيته لابد من إعادة كتابة و استكشاف المغيب و المهمش والمنسي في تاريخنا بطريقة واعية و إستراتيجية، وهذا في مجال معرفة الذات أولا لأنه لا يمكن تحقيق نهضة جديدة بدون الإجابة على السؤال الكبير : من نحن ومن أين أتينا و إلى أين نحن ذاهبون ؟.
كما أكد الدكتور »قادة » أن الجزائر الجديدة بحاجة إلى روح فلسفية نقدية للدخول في عصر الحداثة الفكرية قبل الحداثة المادية و إعطاء الإنسان المكانة التي يستحقها في فضاء ثقافي ومعرفي جديد ومتجدد باستمرار و مجتمع متسامح قائم على مبدأ الحرية و المواطنة وحقوق الإنسان. مشيرا إلى أن المجتمع الذي يشعر بكيانه واحترامه و مكانته في المنظومة الاجتماعية الجديدة و يحترم فيها رأيه الحر واختياره الديمقراطي سوف يعمل من تلقاء نفسه وبتوجيه من ضميره الخلقي و قيمه الإسلامية الصحيحة على ابتكار الآليات و الوسائل لتحقيق النهضة الوطنية الشاملة والقيمة المضافة في كل الميادين و عبر مختلف الفضاءات الثقافية و الاجتماعية والفنية والاقتصادية.

Leave a Reply