ثقافة وفنون

السيد الرئيس « تبون » أمام تحدي  » الاستثمار الثقافي » : مثقفون جزائريون يصوغون مقترحاتهم للتوجه نحو صناعة ثقافية

استطلاع: دليلة قدور
« الجزء الاول »

ها نحن نستقبل عاما جديدا في جزائر الأمل التي تفتح ذراعيها لجميع أبنائها دون تهميش أو إقصاء، في جزائر العلم و العلماء والفكر و الإبداع، في جزائر الوحدة و التسامح ..في جزائر المواطنة و التنوع الثقافي..بكلمة أدق في جزائر الإقلاع الحضاري هي أمنية الشعب الجزائري المنتفض عبر حراك شعبي أبهر العالم بسلميته في لحظة وعي تاريخي استمدها من هويته و من ثوابته الوطنية، و التي عبر عنها في العديد من الشعارات ب )النوفمبرية الباديسية (منتفضا واقعه البائس على كافة الأصعدة.
و إذا كان للحراك إيجابيات في تحقيق بعض المطالب فإن تأثيراته على الجانب الاقتصادي وحسب المحللين الاقتصاديين باتت جلية في تعميق الأزمة المالية، الأمر الذي يدعو للتفكير في إنتاج ثروة بديلة، و لا يوجد أفضل من الثقافة كمصدر وصيغة مثلى للاستثمار في الإنسان الجزائري على نحو يخرجه من صورة الإنسان الريعي، فالعلاقة بين الاقتصاد و صناعة الثقافة باتت جزءا أساسيا من التنمية المستدامة، و لا يخفى على أحد ما تزخر به الجزائر من تنوع موروثها الثقافي، إلا أن كل ذلك لازال بعيدا عن التصنيع.
« الأمة العربية » تواصلت مع بعض المثقفين ورصدت تطلعاتهم ودونت مقترحاتهم لإرساء صناعة ثقافية في ظل جمهورية جديدة منشودة تحافظ على خصوصية المنتج الثقافي و تشكل درعا حاميا لهويتنا ووحدتنا الوطنية.

واقع ثقافي بين الترقيع و التلفيق

تعتبر الثقافة فن و صناعة و إستراتيجية لا تقل أهمية عن الإستراتيجية الدفاعية التي تعدها الدول المتحضرة لبناء الأمم و المجتمعات، فهي لا تقبل التلفيق أو البحث عن الحلول الترقيعية، هكذا عرفها الشاعر والكاتب « حسين عبروس » الذي تأسف في ذات الوقت عن كونها تابع أو مضافة إلى الأخريات ».
و في رأي مقارب لرأي « حسين عبروس »، أكد الأديب و الناشر « رابح خدوسي » أن المشهد الثقافي في الجزائر كان تابعا للواقع السياسي المتعثر و المنتكس بسب تشبث الرجل السياسي، الأمر الذي أدى إلى انعكاسات سلبية على جميع المجالات بما فيها الثقافة.
من جهته، قال الأديب « جموعي أنفيف »: » إن الثقافة الجزائرية تتميز بالصبغة الاشتراكية )التلفيقية( بمعنى أن كل منتوج ثقافي جزائري يصبغ باللون الجمعي وما ترضى عنه السلطة السياسية صاحبة الضخ المالي، عبر وزارات الثقافة وما شابهها، الأمر الذي أدى ــ حسبه ــ إلى وجود قبضة قوية جدا على الثقافة (سينما ، مسرح ، طباعة ، إعلام ، مهرجانات …الخ(، مع قلة الإنجاز والتميز المحلي والعالمي بسبب محدودية الدعم المالي، و عدم الرغبة في مزاحمة القطاع الخاص والذي قد يثير وجع الرأس للسلطة السياسية، دون إغفال رغبة عديدِ المثقفين في تحرير القطاع والاستفادة من ريعه الذي استفادت منه فئات معينة تحمل خطاب السلطة وتتبنى إيديولوجيتها التي خنقت إبداعا جزائريا كان سيُحلّق بنا عاليًا في كل سماء ».
وهنا، ركز الأديب الجزائري « جموعي أنفيف » عن أهمية التجديد الوطني بكل مجالاته، باعتباره ضرورة تقتضيها ظروف وحاجات وحتمية تاريخية. قائلا: » إن ما حدَث في الجزائر من حراك شعبي سلمي، يأتي في نفس السّياق ، ولا أحد منّا لم يعتريه خوفٌ مما قد تؤول إليه الأمور ، ولكن لا أحد منا لم يستشعر راحة ما وقناعة ما بضرورة أن ما حدث كان يجب أن يحدث لانتشال الدولة من وحل كادت أن تسقط فيه. » مشيرا إلى أن التجديد في جمهوريتنا بدأت ملامحه بالوضوح حتى وإن بقي جزء مهم من اقتراحات التجديد في انتظار الحوار والتجسيد لتكتمل الصورة لجزائر جديدة مستقرة مع أمل ألا يستهلك ذلك أي عبء وطني مهما كان ثمنه.
في ذات السياق، ألمح الأديب معلم الأجيال « رابح خدوسي » إلى أن الثقافة غير مرتبطة بفترة معينة جديدة أو قديمة، و إنما يجب أن تكون هناك رؤية ثابتة تعتمد على مرتكزات الماضي وتطلعات إلى المستقبل.
و من حسنات الفعل الثقافي في بلادنا، استحضر الباحث « محمد غريقة » ما شهدته الجزائر خلال السنوات العشر الماضية من حركية ثقافية ارتكزت على مسألتين في غاية الأهمية و هما الحفاظ على التراث وتثمينه وكذا وضع معالم واضحة لسياسة الكتاب وذاك من خلال ترقية الكتاب وتشجيع المقروئية و الناشرين ومختلف الفاعلين في مجال صناعة الكتاب، علاوة على التأسيس لثقافة القراءة عبر إنشاء مهرجان ”قراءة في احتفال” في 48 ولاية القصد منه هو تشجيع الأطفال على القراءة، و غيرها من الأنشطة المتصلة بسلسلة الكتاب منها تقديم القانون المتعلق بأنشطة سوق الكتاب و الرامي إلى ضبط آليات السوق، وكذا إنشاء المركز الوطني للكتاب عام 2009 الهادف إلى تشجيع كل أساليب التعبير الأدبي والإسهام في نشر الأعمال الأدبية بكل أشكالها.

انعدام إستراتيجية ثقافية و سياسة الموالاة و العروشية أهم الأسباب

وعلى الرغم من المجهودات المبذولة يبقى غياب التخطيط الواضح هو ما يعاب، وهنا أفصح الباحث « محمد غريقة » عن الانعدام الواضح لخطة ثقافية وغياب الإستراتيجية الطويلة المدى والمُتكاملة، ما أدى حسبه إلى تلاشي كل الجهود خاصة في ظل اقتصاد العولمة وما تواجهه بلدان العالم الثالث – على وجه الخصوص- من تحديات في إقامة صناعة المحتوى الثقافي خاصة منه تحدي التوجه نحو عولمة صناعة المحتوى واستخدام التقنيات الحديثة والمتطورة مما جعلها تفقد نصيبها في السوق لصالح المنافسين الجدد و الشركات الكبرى التي تمتلك صناعة ثقافية و أماكن سياحية تجلب رأس المال.
من جانبه، أرجع الكاتب « حسين عبروس » تردي الوضع الثقافي و مقت الناس للثقافة و المثقف لعدة عوامل منها غياب البرنامج الثقافي الذي يصنع المجتمع ويطبعه بالطابع الحضاري الفكري والإنساني و الاجتماعي، إضافة إلى سياسة الموالاة، الجهوية والعروشية التي انتهجتها وزارات الثقافة المتعاقبة في تعيين المسؤول الثقافي في مديرياتها، مع صرف الأموال الطائلة على الفراغ والعبث بأسماء شتى المهرجان الفلاني والمهرجان العلاني.

مقترحات تحتاج إلى إرادة سياسية فاعلة
ومن أجل الوصول إلى صناعة ثقافية وإبداعية تحافظ على خصوصية المنتج الثقافي، ذكر الباحث « محمد غريقة » إن الصناعة الثقافية هي صناعة سياسية وتربوية قبل كل شي ومرتبطة بالتنمية الاقتصادية، و من الضروري الاهتمام بها أولا في الوسط المدرسي من خلال اعتماد مناهج جديدة ضمن المقررات المدرسية للتعريف بالإبداع الثقافي والفني و حماية كل الأشكال والتعبيرات الفنية الآيلة للانقراض وضمان توريثها وإيصالها للأجيال القادمة مستقبلا، فضلا عن دعوة رجال المال والأعمال إلى الاستثمار في مجال الصناعات الثقافية، واستحداث مسالك ومناهج للتكوين في المجال السمعي البصري والسينمائي داخل الجامعات والمعاهد العليا، مع تعزيز الدبلوماسية الثقافية لخدمة الإشعاع الثقافي وخلق مكاتب لذلك عبر القنصليات في الخارج وكذا تكريس حقوق الملكية الفكرية والفنية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وتفعيلها حقيقة على أرض الواقع، أيضا وضع خطط فعالة للحملات الإعلامية المحلية والوطنية وتنشيطها لخدمة النشاطات التسويقية التي تستعمله الدولة لترويج المنتوج السياحي الثقافي.

تحرير قطاع الثقافة من كل القيود السياسية
وحتى يكون العمل مخلصا، أشاد الكاتب « جموعي » بأهمية البناء السليم للأسس الثقافية الوطنية لأنها مصدر أي هزّات للدولة الجديدة، وهذا من خلال تحرير قطاع الثقافة من كل القيود السياسية وجعل الرقيب الوحيد هو المجتمع وأخلاقه وضمير المبدع وهو الكفيل برَدعِ كل من يخرج عن الخط الوطني الحقيقي وروح الدستور، وكذا تعويض وزارة الثقافة بمجلسٍ أعلى للثقافة، بحيث يكون المسيّر والإداري الجيد لقطاع الثقافة هو المثقف نفسه، إضافة إلى سن قوانين وتشريعات جديدة تصب في صالح التنشيط الثقافي وتسهل عمل الفاعلين وتخفف الأعباء الضريبية ولو في مراحل أولى، كذلك فتح ورشات عملٍ في كل أنحاء الوطن ، تتكامل فيها قطاعات الثقافة والسياحة والإعلام وغيرها، للخروج من التبعية الثقافية و تكوين أدواتٍ فاعلة في جزائرَ يصل إنتاجها الثقافي كل أصقاع الدنيا .
تمكين سلطة العلم و المعرفة من الولوج إلى مفاصل الدولة
من جانبه، نوه الأديب « رابح خدوسي » بأهمية وضع تصور جديد يستفيد من أخطاء الماضي ويخطط على ضوء استشرافات المستقبل و من بينها، تهذيب المشهد الثقافي مما علق به من حيث تشويه مفهوم الثقافة وربطه بالفلكلور الرديء و كذلك تأصيل المشهد الثقافي بحيث يرتبط بمنابع و عمق الثقافة الجزائرية، إلى جانب وضع الأدوات والآليات الإدارية من الأجهزة التنفيذية خدمة للثقافة و لتمكين المواطن من حقه في الثقافة من خلال إعادة الاعتبار للعلم و العلماء و أهل الثقافة و التمكين لسلطة العلم و المعرفة في المدرسة، الجامعة، وسائل الإعلام، المبدعين و المبتكرين ومختلف مفاصل الدولة، فضلا عن رقمنة الذاكرة الثقافية الجزائرية.

Leave a Reply