دولي

تركيا 2020 : استقطاب سياسي واوضاع اقتصادية متردية

لم يكن تصاعد حدة الاستقطاب السياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية طوال عام 2019 ليمر دون أن يؤثر في مستقبل المشهد السياسي التركي خلال العام الجديد 2020، فالحزب الذي لم يخسر أي انتخابات منذ وصوله للسلطة تعرض لاختبار لشعبيته، ما قد يؤثر على طبيعة ومستقبل حضور العدالة والتنمية في العام الجديد 2020.

مسارات محتملة

يبدو أن 2020 لن يكون عاماً اعتيادياً لحزب العدالة والتنمية التركي، مع تصاعد حالة الانشقاقات داخل الحزب، وصعود المعارضة، ناهيك عن قرب ميلاد حزبين سياسيين جديدين من رحم العدالة والتنمية، يقودهما علي باباجان وزير الاقتصاد السابق، وأحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق، وكلاهما يستهدف دون شك القاعدة الجماهيرية للحزب الحاكم.في هذا السياق، فإن ثمة مسارات قلقة لمستقبل الداخل التركي خلال الفترة المقبلة، يمكن بيانها على النحو الآتي:
استمرار هيمنة العدالة والتنمية: يفترض وفق هذا السيناريو نجاح الرئيس أردوغان في تشويه الدعوات التي تطالب بإجراء انتخابات مبكرة، وآخرها الدعوة التي أطلقها حزب الشعوب الديمقراطي بعد إعلانه التفكير في الانسحاب من البرلمان والبلديات المحلية ثم الفوز بالانتخابات المقرر إجراؤها عام 2023.
والأرجح أن هذا السيناريو لا يمكن استبعاده لسببين؛ أولهما احتمال استجابة أردوغان لمطالب القيادات المنشقة لإجراء عملية مراجعة شاملة لأداء الحزب وسياساته للوقف على الأسباب التي أدت إلى تراجعه، خاصة أن عدد أعضاء الحزب انخفض خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفا و131 عضواً. ففي يوليو 2019 بلغ عدد أعضاء الحزب 9 ملايين و931 ألفا و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفا و234 عضوا في يوليو 2018.
وثانيهما أن المعارضة لا تزال عاجزة عن التوافق حول مرشح واحد ينافس أردوغان في الانتخابات المقبلة، فالمرشح الرئاسي السابق محرم أنجة تعرض للتشويه بعد إثارة شكوك طرحها مقال للكاتب رحمي توران في صحيفة « سوزجو » المعارضة في 21 نوفمبر 2019، حول لقاء أحد نواب حزب الشعب الجمهوري أردوغان سراً.
كما أن الحديث عن عودة رجل الأعمال جيم أوزان من الخارج، وهو خصم سياسي قديم لأردوغان، ليست مؤكدة، ناهيك عن أن حزبه « الشباب القومي » لا يحظى بثقل في الشارع التركي، وخاض في عامي 2002 و2007 الانتخابات البرلمانية وحقق نتائج سيئة للغاية.
التراجع من دون التفكك: قد يشهد حزب العدالة والتنمية تراجعاً على الساحة السياسية بسبب تراجع صورته الذهنية لدى قواعده التقليدية، بفعل الأمراض التي استشرت في جسد الحزب، ولخصها داود أوغلو في « الاستعلاء على الشعب، والخصام مع مبادئ الحزب، وانفراد أردوغان بكل الأمور، واستخدامه خطابا استقطابيا مروعا، والسماح بتدخل أسرته في الحكم ».
ويظل هذا السيناريو محتملاً بسبب خسارة الحزب ورئيسه رصيداً وافراً من تعاطف الشارع التركي، والعجز عن تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، إضافة إلى نجاحات المعارضة في الانتخابات البلدية الأخيرة، فضلاً عن الانقسامات التي يشهدها الحزب، خاصة من جانب العديد من القيادات التاريخية، الأمر الذي يلقي الضوء من جديد على خريطة الأوضاع المستقبلية، في اتجاه تحقيق مزيد من النجاحات الميدانية للمعارضة السياسية في مواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم، الأمر الذي قد يجبر الأخير على القبول المشروط بالواقع الجديد أو الاتجاه نحو تغيير جذري في سياساته.

جاذبية البدائل: تنتظر الساحة التركية ميلاد حركات سياسية جديدة، منها حزب علي باباجان الذي اختار « الأمان » لحركته الجديدة، والحركة السياسية المنتظرة بقيادة أحمد داود أوغلو الذي أكد أن حركته تستهدف « حماية القاعدة المخلصة من حزب العدالة ».
صحيح ليس من المتوقع لأي حزب جديد أن يكون بقوة العدالة والتنمية في بداياته، لكن أحزابا جديدة تضم في جانب منها قيادات تاريخية للعدالة والتنمية، لا يعد أمراً مطمئناً لأردوغان وحزبه، في ظل حالة التململ داخل الحزب، وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة، وفي ظل توحد المعارضة، والقبول الواسع الذي يحظى به علي باباجان وأحمد داود أوغلو في أوساط الحزب وخارجه.
والواقع أن هذا السيناريو لا يمكن استبعاده لاعتبارات عدة؛ أولها أن الانشقاقات الراهنة داخل الحزب باتت تمثل تحدياً غير مسبوق لأردوغان، إذ تتزامن الأزمة داخل الحزب مع فشل التحايل على الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا. وثانيها تراجع مناعة البلاد إقليمياً ودولياً، وكشف عنها رفض المجتمع الدولي لعملية « نبع السلام » التي أطلقتها تركيا في 9 أكتوبر 2019 ضد وحدات حماية الشعب الكردية قبل تجميدها في 17 أكتوبر من العام نفسه.
ويعود الاعتبار الثالث إلى جاذبية المنشقين، وبخاصة علي باباجان وأحمد داود أوغلو، فالأول كسب شهرة واسعة كمهندس للتجربة الاقتصادية التركية لسنين. فقد أسهم « باباجان » في إصلاح الوضع الاقتصادي بالبلاد بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية التي عانتها الدولة، وهو -خلافاً للرئيس أردوغان- يدير الاقتصاد وفقاً لقواعده العلمية، وليس بناءً على المفاهيم الدينية، ناهيك عن كونه شخصا موثوقا به لدى المؤسسات الدولية.
كما أن باباجان لديه قدرة على جذب كتل سياسية ونيابية، فقد كشفت وسائل إعلامية عشية الإعلان عن إطلاق حزب « الأمان » عن نية 40 برلمانيا منتمين للحزب الحاكم الانضمام إلى باباجان. كما يحظى باباجان بثقة مجتمعات الأعمال التي لا تخفي قلقها بشأن هشاشة اقتصاد تركيا، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير كبير في الأوزان السياسية الحزبية لغير صالح العدالة والتنمية.
على الجانب الآخر، نجح داود أوغلو في جذب الأصوات التي تستهدف كسر احتكار أردوغان للسلطة، خاصة أن داود أغلو يتبنى منذ عودته إلى المشهد السياسي مطلع عام 2019، خطاباً حاداً، وهو ما يُعطي انطباعاً باتساع الفجوة مع العدالة والتنمية، وظهر ذلك في توبيخه المتكرر للحزب وللرئيس أردوغان، ففي أبريل 2019 أصدر تقييماً نال فيه من أداء الحزب في الاقتراع المحلي الذي جرى في 31 مارس 2019.
وراء ما سبق، فإن شعبية أردوغان تعرضت للتآكل طوال السنوات الخمس الأخيرة، والأرجح أن قسماً كبيراً من الأصوات التي كان يحصدها، وضمنت بقاءه في الصدارة، لم تكن عن اقتناع، وإنما لعدم وجود بديل سياسي مقنع أو أفضل.
صعود المعارضة:
وفرت الممارسات السلطوية للرئيس أردوغان فرصة مواتية لصعود حضور المعارضة في الشارع التركي، وظهر ذلك منذ انتخابات جوان عام 2015، حيث نجحت المعارضة في تعزيز حضورها في الشارع التركي، وتصاعد هذا الحضور في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في أبريل عام 2017، والانتخابات الرئاسية في شهر جوان عام 2018 وصولاً إلى اقتراع البلديات في مارس 2019، حيث تراجعت نسب التصويت التي طالما اعتاد عليها العدالة والتنمية، ليفوز بالكاد في كل هذه الاستحقاقات بنسبة 50,5 بالمائة .
ولعل الفارق الضئيل بين الأصوات المعارضة والمؤيدة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية والانتخابات الرئاسية الأخيرة كشفت النقاب عن تراجع مكانة حزب العدالة والتنمية.
في سياق متصل، تمكنت المعارضة من تحقيق نجاحات سياسية معتبرة طوال السنوات التي خلت، منها خلق مساحة مشتركة للتحايل على اختلافاتها السياسية، وبدا ذلك في توافقها على الهوية القومية، وترسيخ حزب الشعوب الديمقراطي لمفهوم المواطنة، وإعلانه أنه يمثل الصوت التركي، وفي القلب منه التيار الكردي.
كما أفرزت وجوها شابة تتمتع بكاريزما وحضور جاذب، مثل صلاح الدين دميرتاش، النائب الكردي، وأكرم إمام أوغلو الذي بدا أكثر حيوية وحضوراً ومُمسكاً بالملفات التي يعمل عليها بعد توليه رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى. ويعد دميرتاش وإمام أوغلو من الشخصيات الشبابية ذات التجربة والشعبية الواسعة، ويستطيعان أن يكونا منافسين في المستقبل، خصوصاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2023.

خلاصة القول إن استمرار حالة الاحتقان السياسي، والفشل في محاصرة الأزمة الاقتصادية ناهيك عن صعود الأوزان السياسية لخصوم العدالة والتنمية برغم حالة التضييق والملاحقات الأمنية، ترشح استمرار حالة الاستقرار الهش خلال العام الجديد 2020.

Leave a Reply