ثقافة وفنون

الفائز بجائزة أسيا جبار للرواية المكتوبة باللغة العربية : الكاتب « خيري بلخير » في حواره للأمة العربية

 » الكتابة أحلى قدر و قيمة الأدب في التشريح »

حاورته دليلة قدور
« على شفا الجرح الغائر، أحاول ترتيب أوجاعي حسب الخراب الذي خلفه تسلسلها الألمي، بدءا بلحظة الطلق التي قذفت بي إلى هذه الدنيا عاجزا، مرورا بموت حبيبي المخفي، و انتهاء باختفاء صالح الزين و بينهما فلتات موجعة في الزمان و المكان، الخمامة متعبة، و القلب حرج ضيق، و مشرط الذكريات ليس معمقا » بهاته الكلمات المقتبسة من غلاف كتاب « نبوءات رايكا » والمشحونة بالصور و الدلالات التي تحرض الرغبة في الكشف عن أسرار احتجبت وراء ظلال التراكيب، كان منطلق  » الأمة العربية » في التواصل مع الذات الكاتبة والإضاءة على بعض أبعاد النص السردي الإبداعي المتوج بجائزة أسيا جبار للرواية المكتوبة باللغة العربية لعام 2019 لصاحبه « خيري بلخير » الأستاذ المكون في التعليم المتوسط لمادة الفيزياء، الذي قال إن عمله يدخل ضمن أدب الاعتراف وجاء ليعالج ثيمة التشوه الخلقي النفسي و الفكري.
« الأمة العربية »: بداية لكل كاتب مسلكه المحفوف بالخبايا خلال ممارسته للكتابة الإبداعية، حدثنا عن تجربتك ؟

الكاتب الجزائري « خيري بلخير »: الكتابة بالنسبة لي هي أحلى قدر، هي مرساة أحزاني التي أقذف بها على البياض، هي صرخة الرفض في لحظات ضعفي وعجزي..و على الرغم من الهوس بها لأكثر من عقدين من الزمان، فإن الكتابة ليست مركزية في يومياتي بمعنى أني كاتب هاو وكفى.

هل المناخ السياسي و الواقع المتقلب في معطياته هو المتحكم في لحظات تشكل إبداعك ورسم ملامح شخوصك؟

المناخ السياسي والواقع يشكلان رافدا للتخييل أمحت منهما، لكن لحظة الطلق تحتاج لمزيد من الجهد والحفر بمعية تراكم معرفي وبعد إنساني حتى لا يموت النص أو يبقى حبيس مرحلة وفكر إيديولوجي، رغم هذا أنا ضد تصنيف الأدب إلى أدب استعجالي أو أدب اشتراكي، فالنص الجميل هو الذي لا يبلى ولا يموت، دون كيشوت لسرفانتس أحد هذه النصوص الخالدة والمتجددة.
كل عنوان يكشف عن حمولة ثقافة و اجتماعية.. ماهي القراءة التأويلية التي أردت إيصالها من خلال « نبوءات رايكا » ؟

العنوان « نبوءات رايكا »، هو أولى عتبات النص وأهمها وهو العقد المعنوي بين الكاتب والقارئ، قد يضع القارئ المتميز بعدما يختم الرواية عنوانا فرعيا، مثلا الهربة وين؟ رايكا هو سلطان الدراويش في المدينة حاولت من خلاله قول المسكوت عنه لعلاقته الوطيدة بملك الجان شمهروش، رايكا يحتفظ بذاكرة المدينة قبل أن تضع الحرب أوزارها، يحدث عن علاقته مع الآباء البيض، وحتى اليهود الذين سكنوا المدينة، لديه فلسفته في الحياة ورؤاه حول قضايا وطنية وعربية وعالمية صغتها بوعي ممزوج بتخييل.
هل لك أن تضع القارئ في صلب هذا العمل، فلربما يكتشفه الطلبة و يقبلون عليه دراسة و تحليلا؟
الرواية مجزأة إلى 19 جزء كل جزء يحتوي ثلاثة مقاطع على الأقل ويبتدئ بقصاصة، تقنية القصاصة استعملها الروائي الكبير واسيني الأعرج في رائعته ذاكرة الماء. بين هذه الأجزاء 19 نقرأ استهلال وأختم بقصاصة إخبارية عاجلة. نبوءات رايكا تدخل في أدب الاعتراف، حاولت أن أعالج فيها ثيمة التشوه بالمعنى المطلق، التشوه الخلقي والنفسي والفكري، الزمن متكسر يرجع للوراء من خلال تقنية الفلاش باك ويمد بعنقه للأمام من خلال الحلم ونبوءات سلطان الدراويش.
هل أنت من الذين يرون أن قيمة الأدب في الإثارة و الاستفزاز؟
قيمة الأدب في الخلخلة والتشريح، وفي اختراق المسكوت عنه بطريقة سلسلة، قول لا في وجه من قالوا نعم، كما قال أمل دنقل.و لأن الرواية تأخذ قيمتها إذا ما ارتبطت بالسياق الاجتماعي القائم، هل عالجت في عملك مسألة هوية الفرد الجزائري؟
سؤل الهوية حاضر من خلال تلك الأسئلة التي تؤرق العربي، من أنا ؟ من أكون؟ ماهي الرسالة الموكلة إلي؟ أضف أن جدته الياقوت مغربية، فيدرك أن الشعب واحد والرب واحد وإن اختلفت الحكومات؟ صديق البطل نضال الفلسطيني يمنح النص بعدا عربيا، هناك أيضا لازمة رايكا: من هو الشعب الخسيس الوضيع الذي يعبد مالا يعبد، وعبدة البقر والفئران خير منه؟

هل يضطر بلخيري إلى الاستعارة من اللغة المحكية المثخنة باللهجة العامية للوصول إلى القارئ؟
الاستعارة من اللغة المحكية تفرضه بعض الحوارات، فمثلا في كلام المداح ونداءات الباعة: قش البيبي يا حبيبي، حين نكتب بعض العبارات باللغة الفصحى تفقد شيئا من حمولاتها ودلالتها، أضرب مثلا بقول نرجس وهي تقف أمام مرآة الخطيئة: لي معندهاش لاطاي تخلص ليزانبو. تحضرني رواية عرس الزين لعبقري الرواية العربية الطيب صالح، وظف كثيرا من المفردات الصعبة باللهجة السودانية وفهمناها من السياق، هناك أيضا رواية الحارس في حقل الشوفان للأمريكي ج.د.سالنجر وظف فيها الكلام السوقي وهذا سر نجاحها، وقد ترجمت لأغلب لغات العالم، وإن لم تكن الترجمة للغة العربية أمينة.
هل تترك للقارئ فسحة للقيام بالنشاط التأويلي الذي يمكنه في فك الرموز الموظفة؟
أنا لا أشكك في قدرة القارئ المتميز لا المتلصص على خلق نص منفتح ، فهو شريك وله الحرية في التأويل وتعدد القراءات، حتى أنا عندما أعدت قراءة الرواية بعد الطبع اكتشفت أن شخصية هامشية كالطالب بتو يمكن إسقاطها على شخصية سياسية مشهورة.
ماذا تمثل الجوائز الأدبية بالنسبة إليك، خاصة و أن في رصيدك جائزتي عبد الحميد بن هدوقة للقصة 2006 و القلم الذهبي للقصة القصيرة لولاية النعامة، ليضاف إليها التتويج بجائزة أسيا جبار؟
الجوائز كما قال الكاتب الليبي إبراهيم الكوني هي حليفة الحظ ، والحظ رهين الشيطان، لكن علي أن أشكر أولا جمعية صافية كتو التي ساهمت في نشر هذا النص ليرى النور، كما دعمت عدة نصوص جادة على اختلاف أجناسها، كما أشكر دار الخيال لترشيحها العمل لجائزة آسيا جبار رغم ترددي ــــ لحاجة في نفسي ـــ للتذكير كنت قد شاركت بروايتي الأولى الصادرة عام 2009 المعنونة ب نخلة الوجع في جائزة الشهيد علي معاشي ولم تنجح، سأعيد نشرها وتدافع عن نفسها. أما ما أضافته جائزة آسيا جبار شيء من الفخر وكثير من الأصدقاء الافتراضيين، حين سئل أورهان باموق ما الذي تغير بعد نيله جائزة نوبل للآداب؟ قال رصيدي البنكي. المهم أن يخلص الكاتب ويؤمن بإمكاناته ولا يغتر حين يرتقي أول عتبة.
في الختام أجدد شكري لجمعية صافية كتو للإبداع الثقافي ولدار الخيال للنشر والترجمة، كما أحيي جريدة الأمة العربية لإتاحتها لي هذا الركن المضيء.

Leave a Reply