دولي

في ذكرى وفاته الــ41 : فوزية بوخروبة تفتح صندوق أسرار الرئيس الراحل هواري بومدين

كشفت ابنة شقيق الرئيس الراحل هواري بومدين ، السيدة فوزية بوخروبة ، للقناة الإذاعية الأولى ، ولأول مرة أسرارا عن حياة الرئيس هواري بومدين المواطن بعيدا عن مقر الرئاسة .قالت فوزية بوخروبة في حوار أجراه معها الصحفي ، نعمان بن سراي، تروي فترة من طفولتها قضتها في بيت عمها « الرئيس » أن هواري بومدين يحرس على بعض السلوكات التي أصبحت بمثابة تقليد لديه إذ لم يكن يقبل أبدا أن يقدم له العشاء قبل أن يقدم للجندي المكلف بحراسة المنزل الرئاسي الكائن بمقر المديرية العامة للوظيف العمومي حاليا وكان يعامل طباخه الخاص باحترام كبير ولأنه ابن الريف كان يميل كثيرا إلى الأكل التقليدي خاصة خبز الشعير والتمر واللبن وفي نهاية كل أسبوع يزور أمه في مسكنها بالعاصمة خصيصا من أجل « الشخشوخة « .
ومن الخصال المخفية للمرحوم التي أدبت نفسه الزكية وروحه الطاهرة المطهرة حرصه الدائم قبل أن يتناول طعامه ويشبع بطنه ، أمره الدائم للطباخين بإقامته بإعداد الطعام والنعم لإطعام حرسه في الإقامة وكان سؤاله عما إذا أكلوا أم لا .كما كان الراحل على مائدة الأكل يأمر أهل بيته بالحديث في كل شيء وعن كل شيئا. ويستسمحهم بألا يحدثوه عن ألام الثورة… وخاصة رفقائه في الدرب كالعربي بن مهيدي والعقيد لطفي رحمة الله عليهما « ، كما كان يفضل الخوض بالمقابل في الحديث عن أوضاع البلاد وساكنة مسقط رأسه وعن أحوالهم جميعا.

سر هجرة ابن الكتانية « الكتوم » إلى ارض الكنانة والرئيس الذي حمل  » سر » أسماء »الأولياء

ختم هواري بومدين ( محمد بوخروبة )الطفل القرآن في سن التاسعة وكان يلقنه بدوره أبناء القرية في كل عطلة مدرسية لأنه كان بعد التحاقه بالمدرسة في المدينة لا يعود إلى البيت العائلي إلا في العطلة ورغم صغر سنه إلا انه كان من المحرضين على الخروج في مظاهرات الثامن ماي 1945. وهي المظاهرات التي أصيب فيها بجروح ولم يكن عمره يتجاوز اثنتي عشرة( 12 ) سنة.
تركت تلك المظاهرات أثرا كبيرا في نفس بومدين لذلك قرر الهروب إلى مصر ، والى هنا تركت فيه تلك الجروح اثر عميقا في نفسية الطفل هواري بومدين الذي تغير حاله فجأة إلى ولد  » كتوم  » للغاية .و أول بروز عبقريته – التي ظلت سرا معلقا لم يطرقه كثير من ناقلي مآثره – اقترنت بعودة زوج عمته من الحج ليستفسره – على صغر سنه – عن تفاصيل الطريق ودقائق معابرها مشيا وركبانا من الجزائر إلى تونس ثم إلى ليبيا وصولا إلى مصر، ليتبين لاحقا أن الطفل هواري بومدين كان بصدد »رسم خريطة لطريق الفرار »من الجزائر هروبا من التجنيد الإجباري ضمن صفوف الجيش الفرنسي لأداء الخدمة العسكرية . وكانت هذه الخريطة المستقاة من رحالة « رحلة الحج « هي دليله الجغرافي للرحيل مع رفيق دربه السيد شيروف – أطال الله في عمره – في للخروج في سرية تامة ولم تكتشف عائلته سر إصراره على معرفة الطريق الموصلة إلى مصر إلا بعد اختفائه كلية تاركا جميع العائلة تحترق والأسرة شوقا وخوفا .مع ضغط الاستنطاق والتعذيب الذي مارسته السلطات العسكرية الفرنسية على العائلة وبقي الأمر على ما كان عليه إلى أن جاء مرسول من القاهرة سنة 1957 يحمل رسالة أو شهادة « حياة « السيد هواري بومدين مطمئنا إياهم أن »التلميذ الفار من الكتانية »حي يرزق « .وبمجرد عودته إلى ارض الوطن والتحاقه بالولاية الخامسة غير ، محمد بوخروبة ، إسمه تبركا بالوليين الصالحين سيدي بومدين الغوث في تلمسان وسيدي الهواري في وهران . ليكون ذالك الشبل من ذاكين الأسدين في تاريخ الجزائر والأمة الإسلامية قاطبة .أما عن علاقته بالوالدة – رحمة الله عليها – فوصفت متحدثتنا العلاقة بــ » العشق والاحترام اللذان لا نظير لهما  » . غير أن مهام الدولة الموكلة إليه وهو شاب أبعدت عنه عطف الأمومة إلى أن وافت والده – رحمة الله عليه – المنية بمسقط رأسه حينها قرر استأذن الوالدة للعيش معه في الجزائر العاصمة .

ومن ذكريات الطفولة العالقة في ذهن الطفلة ، فوزية بوخروبة ، ذات الــــ 5 سنوات يومها لحظة حضور الرئيس الراحل هواري بومدين لبيت العائلة في قالمة بمناسبة وفاة والده : » كل ما أحفظ من تلك اللحظات في ذاكرتي التدفق الهائل للدموع من عيني الرئيس هواري بومدين … وليخفي ألمه يتناول الابن الرئيس نظاراته لإخفاء حزنه عن العائلة.

عدالة هواري بومدين في أقربائه … كعدالته مع محكوميه

ولعل من الخصال المفقودة أو النادرة في أيامنا هذه التي تحتاج إلى التنويه و الإكبار لهذا الرجل هذه القصة العائلية التي يصطدم فيها « أمر  » الرئيس بــ » أمر  » والدة الرئيس – أو قرة عين الرئيس – والى هنا نفتح قوسا للمتحدثة لتقص علينا أحسن القصص عن هذه التراجيديا العائلية : » ففي يوم من سائر أيام الدنيا اقبل الراحل هواري بومدين على والدته – إقبالا مثنيا بداخله رئيس وابن يتصارعان – في مشهد ملئه الرفق بالرحم بعد تمهيد لها وتطييب لنفسها مستعملا شخصيته المازحة في الاتصال قائلا لها : » يا أماه قد جئتك اطلب منك ابنك( السعيد ) المدلل للالتحاق بأداء الخدمة العسكرية … انتفضت الأم بصوت عالي والله لن تأخذه مني … فجاراها في الكلام بأدب قائلا لها مرة أخرى : »إني عازم على أخذه  » .فأجابته من فورها : » والله لن يكون لك ذلك ثم إني والله لأشتكيك إلى الدولة  » . فرد عليها المرحوم : » يا أماه أنا هو الحكومة « . فقالت : »يا بني إنّي مشتكية بك « .
فما كان عليه إلا أن يزداد لينا في الخطاب معها قائلا لها : » يا أماه أترضين أن أجند أبناء الشعب وتبقي أنت ابنك في الدفئ معك « . إني عزمت أمري أن أخذه . وانه يا أمي : » من العدالة أن أبدأ بأهلي في هكذا أمر « . وكان له ما أراد . أما الأم وقبل تفهمها للأمر نال الغضب منها نصيبا إلى أن سكت عنها ذلك اللبس.
ومن قصص العدالة الهادفة التي عاشها الراحل مع صلة أرحامه ما اتصل بعمه الطيب: » الذي اتصل بأحد مسئولي المنطقة لتمكينه من منزل يتسع له ولولده تحت سيف الفاقة. فما كان من الرئيس هواري بومدين إلّا مكالمة والده واستدعاهما على عجل وعلى أن يلتحقا به في العاصمة. تضيف محدثتنا همّ الرجلان بالتنقل إلى العاصمة على توجس وعجل وخجل منه حسب ما نقلته عن جدها « . خاصة وانه مشهود له في العائلة: » انه يرفض رفضا قاطعا الزج باسمه في أي شبهة كانت « . و بمجرد وصولها ( الوالد والعم )بادر إلى سؤالهما – كما يسأل المضيف ضيفه – هل أفطرتم ؟. فقلنا له  » افطرنا وما نحن بمفطرين حقا  » . وكان أول حديثة كحد السيف الصارم مخاطبا عمّه : » يا عمّاه حبي لك بمقدار حبي لوالدي ثم انه والله لو كررت فعلتك التي فعلت وطلبت أنت ومن والاني من أهلي أي امتياز باسمي . إني والله لساجنك . وعلى اثر هذه الحادثة اصدر الرئيس الراحل هواري بومدين تعليمة ما زالت موثقة إلى يوم الناس هذا مفادها : » أن عائلة هواري بومدين تعامل بعد كل الشعب الجزائري « . و ما كان من عمه إلا أن تقبل الأمر وطلب العفو من ابن أخيه ولم يحصل على ذلك السكن.
وتضيف ، السيدة فوزية بوخروبة ، موقفا يظل خالدا للراحل يخلد عدالته بدون إفراط ولا تفريط وتعود تفاصيلها إلى تاريخ إعلان مخطط الثورة الزراعية يومها تقول متحدثتنا :  » أن والدها ( عبد الله بوخروبة ) استلف مبلغا ماليا لاستصلاح قطعة أرض بعد التأميم أمر الراحل هواري بومدين أخوه ( عبد الله بوخروبة ) بأن يسلم تلك القطعة للدولة بالدينار الرمزي حاول شقيق الراحل استمالته بمبررات الخسارة المادية الحاصلة فما كان الجواب من هواري بومدين إلّا الإصرار على استعادة قطعة الأرض للأملاك العمومية ، واستأذنه لاحقا في تملك جرار من نوع  » فيات  » كان قد اشتراه بماله الخاص عن طريق السلفة ليستخدمه لاحقا في إعالة العائلة – وهو ذكرى ما زالت تحتفظ به العائلة الى يومنا هذا .
المرحوم قايد صالح يذرف الدمع بمناسبة إطلاق اسم الراحل هواري بومدين على الأكاديمية العسكرية بشرشال
وعن تقييمها لعلاقة المرحوم الفريق أحمد قايد صالح بالرئيس الراحل هواري بومدين لخصت السيدة فوزية بوخروبة بهذا الوصف قائلة هي : » علاقة ثورية ، علاقة أسود ، علاقة مجاهدين ، علاقة رجال يعرفون المعنى الحقيقي للتضحية « .بعدها عاد بها صحفي القناة الأولى إلى يوم تكريمها من طرف المرحوم الفريق أحمد قايد صالح بمناسبة إطلاق تسمية الراحل هواري بومدين على الأكاديمية العسكرية لشرشال ، وقتها دار حديث خاص بينكما هل للشعب الجزائري أن يعرف ما لذي دار بينكما ؟. فأجابته : » يا بنيتي انه لمن العيب والعار ونحن اليوم من أهل الدنيا  » أحياء  » ولا نسمي على الراحل بومدين شيئا … هذا الرجل نسمي عليها الجزائر كاملة وهي قليل عليه نظير ما قدم لهذه الأمة قبل الفتح و بعد الفتح … « . ثم ما لبث أن قال هذه المأثورة حتىّ : » اغرورقت عيناه بالدمع  » باكيا رفيقه في درب الجهاد . وهو مشهد سيظل ثابتا في ذاكرتي ما حييت . وشاءت الأقدار أن يرفع جثمانه في نفس العربة التي حملت الراحل هواري بومدين ويدفن إلى جنبه في مربع واحد .

Leave a Reply