ثقافة وفنون

أسرار الإبداع الكبرى : كيف تولد الأفكار المشرقة؟

غالبا ما توصف سنوات الطفولة المبكرة بأنها العصر الذهبي للإبداع، ومع نمو الإنسان ورحلة النضج يتحوّل أغلب البشر لبالغين غير مبدعين، ويفتقدون العديد من جوانب الخيال والابتكار الساحرة المرتبطة بالأطفال.وتحاول العديد من الدراسات العلمية البحث عن الجاني الذي يقف خلف تقزّم الإبداع، ومنذ العقد الأول من القرن العشرين، حاول أخصائيو البيولوجيا العصبية وعلم النفس والعلوم الإدراكية فهم العمليات الذهنية والدماغية التي تولد الأفكار.
وفي تقريرها الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، قالت الكاتبة لور بيلوت إن كيفية نشأة الأفكار الجديدة موضوعٌ أثار اهتمام أخصائيي المجال العلمي لقرون عدة.ووفقا للبروفيسور تود لوبارت رئيس مجلس الموهوبين العالمي سابقا والناشط في مجال تربية الموهوبين والمتفوقين، فإن مسألة نشأة الأفكار كانت موضوع المنشورات العلمية منذ عام 1850، وكان الهدف من ذلك تحديد كيفية ظهور الأفكار العظيمة للباحثين.

ما الإبداع؟
وأوردت الكاتبة أنه منذ ذلك الحين أصبح تعريف الإبداع -وهو استنباط أفكار جديدة وأصلية متطابقة مع سياقها- أمرا ضروريا. وفي وقت يتدخل فيه الذكاء الاصطناعي في عدد متزايد من العمليات، أصبح الإنسان مطالبا بأن يكون أكثر إبداعا، سواء في المجالات الاقتصادية أو العلمية، أو في المختبرات العمومية أو الخاصة، وذلك بإيجاد ابتكارات ثورية تبرر الميزانيات المخصصة لها.ونتيجة لذلك، تتزايد البحوث المتعلقة بالإبداع بشكل كبير وينفق عليها بسخاء.
ونقلت الكاتبة عن تود لوبارت قوله إن « عدد المنشورات العلمية حول هذا الموضوع بين عامي 2000 و2019 تضاعف مقارنة بالأعوام المئة وخمسين الماضية ». وعلى خطى علم النفس والعلوم الإدراكية، تحاول العلوم العصبية التي تُصور الدماغ كأداة كشف لغز الأفكار المشرقة منذ بداية القرن الحادي والعشرين.
وغيرت العديد من دراسات علوم الدماغ فهمنا للعملية الإبداعية في السنوات العشر الأخيرة فقط، إذ ترجعه لعوامل وراثية ودماغية أو للخبرة والتجربة، وإلى جانب ذلك تركز دراسات أخرى على زراعة الإبداع ومهاراته وبناء العادات، مثل تدوين الأفكار الجديدة، وتجربة أشياء جديدة ودراسة مواضيع غير مألوفة بانتظام، أو حتى فهم دور الاسترخاء والنوم كمحفزات للإبداع.

مكافأة الابتكار
وُضعت نماذج لفهم العملية الإبداعية الناتجة في بعض الأحيان عن التأمل. فعلى سبيل المثال، ذكر عالم الرياضيات الفرنسي جول هنري پوانكاريه أن إحدى أفكاره الإبداعية ظهرت على بعد خطوات من وسيلة مواصلات. أما ألبرت أنشتاين فقد تخيل نفسه مكان الذرة. ومن جهته، ذكر العالم السياسي جون غراهام والاس، في نموذج أولي نشره عام 1926، أن الإبداع يقوم على أربعة مراحل، وهي التحضير والحضانة والإشراق والتحقق أو التنفيذ. ولا يزال هذا المفهوم منتشرا على نطاق واسع في المجال الاقتصادي.
ووفقا لأحدث أعمال عالم النفس جوى بول جيلفورد، الصادرة عام 1950، فإن العقل خلال مرحلة الإبداع يمر بلحظات من تباين الأفكار من أجل استكشاف الممكن، ثم بلحظات من التقارب الإبداعي لتلخيص وتقييم المسألة من أجل مواصلة السعي وراء تحقيق الغاية أو صرف النظر عن ذلك.وبينت الكاتبة أن الظروف الملائمة للإبداع آخذة في الظهور في البحوث الحالية. في هذا الصدد، يضيف لوبارت أن « الظروف الملائمة تتمثل في وجود بيئة تشجع وتقدم مكافآت مقابل الابتكار، سواء كانت مالية أو تتخذ شكلا آخر ». علاوة على ذلك، تساعد المرونة الذهنية والقدرة على إقامة روابط وتشابهات ومعرفة العديد من التخصصات والانفتاح والمجازفة على توليد الأفكار المشرقة. وبدوره أفاد جيلفورد بأن « المجتمع العلمي غالبا ما يكون حساسا تجاه مسألة المجازفة والمخاطرة، مما لا يساعد حقا على الإبداع ».

المنهج متعدد التخصصات
في فرنسا، أسِّس مركز الأبحاث متعدد التخصصات عام 2006 من طرف عالم الأحياء فرانسوا تادي. في هذا الصدد، قال تادي ذات مرة « نحن محظوظون باستقبال البط الصغير الذي يريد فعل أشياء من الصعب القيام بها في السياقات العلمية التقليدية. فعلى سبيل المثال، فاز طلاب من قسم الصيدلة والبيولوجيا والطب والهندسة، الذين قدموا معا من أجل ممارسة علم الأحياء التركيبي، بلقب بطل العالم لعام 2013 في المسابقة الدولية للآلات المعدلة وراثيا، التي أطلقها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ».
ومن أجل تغيير العقلية السائدة وتشجيع الدراسات متعددة التخصصات في العلوم، شارك عالم الفيزياء الأميركي المتوج بجائزة نوبل للفيزياء موري جيلمان في تأسيس معهد « سانتا » عام 1984، كما شارك عالم الحاسوب نيكولاس نيغروبونتي في تأسيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1985.وفي كتابه « الموجة الثالثة » ناقش عالم المستقبليات الأميركي ألفن توفلر (1928-2016) موضوع الدراسات متعددة التخصصات، محاولا توجيه التعليم والبحث والتطوير والابتكار نحو مجالات عابرة للتخصصات.
ولفت توفلر إلى شمول المعرفة الإنسانية، واعتبر أن جسر الهوة بين الإنسانيات والعلوم الطبيعية والهندسية هو ما أدى بالفعل إلى القفزة التقنية الهائلة في العقود الأخيرة. وذكرت الكاتبة أن الباحث المشارك في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مركز أبحاث الشبكات المعقدة مارك سانتوليني حلل المنشورات العلمية لفهم كيفية ولادة الأفكار المشرقة. وتوصل سانتوليني إلى أن باحثين شبانا في فرق صغيرة متعددة التخصصات هم من ينشرون الدراسات الأكثر ابتكارا، وكلما تقدم مجال البحث زاد عدد فرق البحث.

Leave a Reply